(أبو خالد الأحمر) وأخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه (1196) وغيرُهم.
كلُّهم يروون الحديثَ عن الثوري عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي.
و لاشكَّ في نكارة الوجه الأول، لتفرُّد معاوية بن هشامٍ به، خلافاً لعامَّة أصحاب الثوري، ولو كان معاوية ثقةً لم يُقبل ذلك منه، فكيف وقد تُكُلِّمَ في حفظه، ولذلك قال الدارقطني:
(والمحفوظ حديثُ عاصمٍ عن علي).
وقد تابعَ الثوريَّ على هذا الوجه (مطرِّف بن طريف) حيثُ روى الحديثَ عن أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه-، ولكنه لم يَسْتثنِ صلاتي الفجر والعصر، فقال:
(كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي صلاةً إلا صلَّى بعدها ركعتين).
أخرجه النسائي في الكبرى (346) وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (1217 وَ 1227) من طريق جرير بن عبد الحميد.
وعبد الله بن أحمد في الموضعين السابقين من طريق محمد بن فُضيل.
وأبو يعلى (347) من طريق أسباط بن محمد.
ثلاثتهم عن مطرِّف بن طريف عن أبي إسحاق به.
والحديث عند البزَّار في مسنده (689) من طريق محمد بن فُضَيل، وفيه: (إلا الصبح والعصر).
وعلى أيِّ حالٍ؛ فإما أن يؤخَذَ بالزيادة التي عند البزار؛ ويؤيد ذلك روايةُ الثوري لها، أو يُحكم على لفظ مطرِّف بالشذوذ، لأن الثوريَّ قد روى هذه الزيادة، وهو من أثبتُ الناسِ في أبي إسحاق، بل هو وشعبة أثبتهم على الإطلاق، كما نصَّ على ذلك ابن معين حيث قال: (وإنما أصحابُ أبي إسحاق سفيان وشعبة) يُنظر: (مسند ابن الجعد، النص رقم " 2579 ") وشرح العلل (2/ 519).
بل قال أبو حاتم: (سفيان أتقن أصحاب الثوري، وهو أحفظ من شعبة، وإذا اختلف الثوري وشعبة فالثوري) شرح العلل (2/ 520).
والخلاصة: أن حديث عاصم بن ضمرة عن علي: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في إثرِ كل صلاة ركعتين إلا الصبح والعصر) حديثٌ ليس بالقوي، لتفرُّد عاصمٍ به عن علي، وإن كنتُ أرى أنه لم يأتِ بما يُنكَر، وذلك أنََّ قوله: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في إثر كل صلاة ركعتين)) يشهد له حديث ابن عمر وغيره في بيان السنن الرواتب، ومنها:
(ركعتان بعد صلاة الظهر وَ المغرب وَ العشاء).
وأما قوله: " إلا الصبح والعصر " فهو مخالفٌ لحديث أمِّ سلمة وَ عائشة "رضي الله عن الجميع"
حيث أثبتتا أنه كان يصلي بعد العصر، إلا أنه يمكن القول بأن علياً قد روى ما رأى
وأم سلمة و عائشة رَوَتَا ما رَأَتا.
ولذلك فالذي يظهر لي فيما يتعلق بحديثَي عليٍ -رضي الله عنه-:
أن حديث عاصمٍ عن علي – على ما فيه من التفرُّد المشار إليه – أقوى من حديث وهب بن الأجدع عن علي وذلك لأن حديث وهبٍ مخالفٌ لصريح قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابتِ عنه.
وأما حديث عاصم بن ضمرة فإنما خالف الفعلَ – على أنه يمكن الجمعُ من غير تكلُّفٍ؛ كما سبق – ومعلومٌ أن
مخالفةَ الفعل أهون من مخالفة القول – خاصة إذا كان القولُ صريحاً؛ كما في مسألتنا – إذ الفعل يدخله من الاحتمال ما لايدخل القول.
(أقول هذا وأنا لم أبحث بعدُ حديثَ أمِّ سلمة وَ عائشة "رضي الله عنهما "، هل هما حديثٌ واحدٌ أو لا؟ وما اللفظ الثابت فيهما؟).
فائدة: يرى الإمام الشافعي "رحمه الله " أن حديث وهب بن الأجدع عن علي مخالفٌ لحديث عاصم بن ضمرة عن علي (الأم 7/ 166).
وتبعه على ذلك الإمام البيهقي "رحمه الله " حيث قال – بعد ذكره لحديث وهبٍ عن علي -:
(وقد رُوي عن علي -رضي الله عنه- ما يخالف هذا، ورُوي ما يوافقه:
أما الذي يُخالفه في الظاهر …) وساق بسنده إلى عاصم بن ضمرة عن علي قوله:
" كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في إثر كل صلاة ركعتين، إلا الصبح والعصر ".
ثم قال: (وأما الذي يوافقه …) فساق بسنده من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن
عاصم بن ضمرة قال:
" كنا مع علي -رضي الله عنه- في سفرٍ فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثم دخل فسطاطه وأنا أنظر، فصلى ركعتين ".
وقد حكى الشافعي "رحمه الله " هذه الأحاديث الثلاثة عن علي -رضي الله عنه- ثم قال:
هذه أحاديث يخالف بعضها بعضاً، قال الشيخ: فالواجب علينا اتباع ما لم يقع فيه الخلاف، ثم
¥