عوداً على السؤالِ: فإنَّ القاضي أبا يعلى - عليه رحمةُ اللهِ - يرى أنَّ علّةَ الحكمِ بالاغتسالِ هي انتقالُ المنيِّ بشهوةٍ وإن لم يخرجْ، فمناطُ الحكمِ عندهُ لهُ وصفانِ: " الانتقالُ "، و" الشهوةُ "، وهذا هو مذهبُ الإمامِ أحمدَ، وخالفهُ في ذلك جماهيرُ أهلِ العلمِ بمن فيهم أصحابُ المذاهبِ الثلاثةِ الأخرى وإحدى الرواياتِ في المذهبِ فرأوا أنَّ علةَ الحكمِ بالاغتسالِ هي خروجُ المنيِّ بشهوةٍ ولا يكفي انتقالهُ، وهي اختيارُ أبي محمّد بن قدامة - رحمهُ اللهُ -، وصار مناطُ الحكمِ عند الجمهورِ وصفانِ: الخروجُ والشهوةُ.
ثمَّ إنَّ القاضي أبا يعلى علّلَ صحّةَ اختيارهِ بوجودِ الشهوةِ المصاحبةِ للانتقالِ، والشريعةُ راعتْ أمرَ الشهوةِ في الحكمِ بالغسلِ، فلو خرجَ المنيُّ دون شهوةٍ لم يجب عليهِ الاغتسالُ، فردَّ عليهِ أبو محمّدٍ ذاكراً أنَّ الشهوةَ هي أحدُ وصفي العلةِ، والوصفُ الثاني هو الخروجُ، فوجودُ الشهوةِ - وهي أحدُ الوصفينِ - لا يكفي في إناطةِ الحكمِ بهِ استقلالاً، أشبهَ ما لو اشتهى ولم يخرجْ شيءٌ منهُ.
و" شرطُ الحكمِ " هو العلّةُ، لتوقّفِ الحكمِ عليها، فصارَ مثلَ عطفِ البيانِ، وأمّا المراعاةُ فهي أن تكونَ هذه الصفةُ في العلّةِ أظهرَ من غيرها فيراعيها الشارعُ ويركّزُ عليها، فكأنَّ القاضي جعلَ الشهوةَ هي المناطَ الأقوى للحكمِ فاكتفى بمطلقِ الانتقالِ دون خروجِ المني لإيجابِ الغسلِ، فردَّ عليهِ أبو محمّدٍ وجعلَ الشهوةَ بمفردها لا تقوى على إثباتِ الحكمِ حتى وإن راعاها الشارعُ وركّزَ عليها، ثمَّ نقضَ على القاضي مذهبهُ بأنَّ الشهوةَ لا تستقلُّ بالحكمِ فلو وجدتِ الشهوةُ دون وجودِ انتقالِ المنيِّ أو خروجهِ لما وجبَ الغسلُ قولاً واحداً.
واستدلَّ أبو محمّدٍ على القاضي بأنَّ أغلبَ الأحاديثِ علقت الحكمَ بالرؤيةِ، ويمكنُ الجوابُ عن هذا بأن يُقالَ أنَّ الرؤيةَ قيدٌ أغلبيٌ لا يعتبرُ مفهومهُ، والحكمُ يكونُ للانتقالِ خرجَ أو لم يخرجْ، وممّا يؤكّدُ هذا أنَّ الغالبَ على المنيِّ إذا انتقلَ أنّهُ يخرجُ ولو بعدَ حينٍ، ولهذا صارَ الحكمُ في خروجِ ما تبقى منهُ بعد الاغتسالِ أنه يُتوضأ منه، فلو كان الخروجُ هو مناطَ الحكمِ بالاغتسالِ لوجبَ تكرّرهُ بتكرّرِ الخروجِ، ويُمكن أن يردَ على هذا حبسُ الرجلِ الريحَ أو الخارجَ المفاجئَ أثناءَ الصلاةِ، فإن حركتهُ في بطنهِ وانتقالهُ لا توجبُ نقضَ طهارتهِ مالم يخرجْ، والجوابُ عن هذا أنَّ الريحَ والخارجَ الآخرَ إن لم يخرجْ فإنّهُ يعودُ إلى موضعهِ ويستقرُّ فيهِ، وهذا بخلافِ المنيِّ فإنّهُ لو خرجَ فلن يعودَ إلى مكانهُ، وهذا فرق مُعتبرٌ، وهو ما عبّرَ عنهُ الإمامُ أحمدُ بإنكارهِ رجوعَ المنيِّ إلى موضعهِ، كما نقلهُ أبو محمّد بن قدامة.
وممّا يتفرّعُ على هذه المسألةِ: رجلٌ به شبقٌ فاشتهى في الصلاةِ وأحس بانتقالِ المنيِّ فحبسهُ، حتى قضى صلاتهُ، هل تصحُّ صلاتهُ أم يلزمهُ إعادتها؟، فيه قولانِ متفرعانِ على الخلافِ في أصلِ المسألةِ، ومثلهُ لو أحسَّ بخروجِ المنيِّ لشهوةٍ وهو صائمٌ قبيلِ وقتِ الإفطارِ، فحسبهُ حتى أفطرَ، فهل يصحُّ صومهُ؟.
تنبيهٌ: في قولهِ " أَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَحَلِّهِ "، تمَّ ضبطُ كلمةِ تباعد بضمِّ التاءِ ووضعِ الكسرةِ تحت العينِ " تُبَاعِدُ "، ولعلَّ الصوابَ - واللهُ تعالى أعلمُ - وضع الفتحة بدلاً عن الضمةِ فوق التاءِ، ووضعُ الضمةِ بدلاً عن الكسرةِ تحتَ العينِ " تَبَاعُدُ "، فيكونُ كلامُ القاضي في تعريفِ الجنابةِ أنّها تباعُدُ الماءِ عن محلّهِ، وهو ما يظهرُ من سياقِ نقاشِ أبي محمد بن قدامة لهُ، فإنَّ شكلها على الطريقةِ الموجودةِ في الأصل يجعلُ في سياقِ الكلامِ خللاً واضحاً، والعلمُ عند اللهِ.
أرجو أن يكونَ الأمرُ واضحاً أخي الحبيب طلال.
حفظكَ اللهُ ورعاكَ.
ـ[سفير الحق]ــــــــ[07 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, صباحاً 01:57]ـ
أردتُ أن أجيبَ الأخ طلال بإجابةٍ أعتقد أنها إجابةٌ تكشفُ الغموضَ، لكن بعدما قرأتُ إجابةَ الشيخ فتى الأدغالِ وجدتُ أنها أفضلُ بكثير مما أردتُ كتابتَه.
وصار مناطُ الحكمِ عند الجمهورِ وصفانِ: الخروجُ والشهوةُ.
الصحيح: وصفين.
ـ[طلال]ــــــــ[14 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, مساء 01:34]ـ
أخي العزيز فتى الأدغال ..
بارك الله فيك وأحسن إليك وأجزل لك المثوبة والأجر.
شرحك موفق وقد فهمته فهماً، وجزاك الله خيراً على تنبيهك.
إذاً العلة لها وصفان:
1/الخروج بشهوة.
2/رؤيته بشهوة.
سفير الحق ..
جزاك الله خيراً وبارك فيك.
وما دام أن هذه الفوائد يجنيها المرء من منثور جوابكم .. فترقّب – بإذن الله – أسئلةً قادمة نذاكركم فيها ونستفيد منكم ونفيد كذلك.
غفر الله لكم.