ـ[فهدالغيهب]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, مساء 04:52]ـ
قال العلامة ابن القيم في الطرق الحكمية:
25 - (فصل)
الطريق الثاني: أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي , قالوا: ويدل على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم {البينة على من ادعى , واليمين على من أنكر} فجعل اليمين من جانب المنكر , وهذه الطريقة ضعيفة جدا من وجوه. أحدها: أن أحاديث القضاء بالشاهدين واليمين أصح وأصرح وأشهر.
وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة.
الثاني: أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها عليه لخصوصها وعمومه.
الثالث: أن اليمين إنما كانت في جانب المدعى عليه , حيث لم يترجح جانب المدعي بشيء غير الدعوى , فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين , لقوته بأصل براءة الذمة , فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل , فكانت اليمين من جهته.
فإذا ترجح المدعي بلوث , أو نكول , أو شاهد كان أولى باليمين , لقوة جانبه بذلك , فاليمين - مشروعة في جانب أقوى المتداعيين , فأيهما قوي جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده.
ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم , ولما قوي جانب المدعي بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه , كما حكم به الصحابة , وصوبه الإمام أحمد , وقال: ما هو ببعيد , يحلف ويأخذ.
ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية: كانت اليمين في حقه وكذلك الأمناء , كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي: القول قولهم , ويحلفون , لقوة جانبهم بالأيمان.
فهذه قاعدة الشريعة المستمرة , فإذا أقام المدعي شاهدا واحدا قوي جانبه , فترجح على جانب المدعى عليه , الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل , وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه , [ص: 68] ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة , فدفع بقول الشاهد الواحد , وقويت شهادته بيمين المدعي. فأي قياس أحسن من هذا وأوضح؟ مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع.
ـ[فهدالغيهب]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, مساء 05:14]ـ
وقال رحمه الله في موضع آخر من الكتاب نفسه
في القضاء بالنكول ورد اليمين وقد اختلفت الآثار في ذلك.
فروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله: " أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم , وباعه بالبراءة , فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه؟ فقال عبد الله بن عمر: إني بعته بالبراءة , فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى على عبد الله بن عمر باليمين , أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه , فأبى عبد الله أن يحلف له , وارتجع العبد , فباعه عبد الله بن عمر بألف وخمسمائة درهم ".
قال أبو عبيد: وحكم عثمان على ابن عمر في العبد الذي كان باعه بالبراءة. فرده عليه عثمان حين نكل عن اليمين , ثم لم ينكر ذلك ابن عمر من حكمه ورآه لازما.
فهل يوجد إمامان أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمعنى حديثه منهما؟ فذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأحمد في المشهور من مذهبه.
وأما رد اليمين: فقال أبو عبيد: حدثونا عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي: " أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم. فلما قضاها أتاه بأربعة آلاف , فقال عثمان: إنها سبعة , فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة , فما زالا حتى ارتفعا إلى عمر , فقال المقداد: يا أمير المؤمنين , ليحلف أنها كما يقول , وليأخذها. فقال عمر: أنصفك , احلف أنها كما تقول , وخذها ".
قال أبو عبيد: فهذا عمر قد حكم برد اليمين , ورأى ذلك المقداد , ولم ينكره عثمان , فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عملوا برد اليمين.
وحدثنا يزيد عن هشام , عن ابن سيرين , عن شريح: أنه كان إذا قضى على رجل باليمين , فردها على الطالب , فلم يحلف: لم يعطه شيئا , ولم يستحلف الآخر.
وحدثنا عباد بن العوام , عن الأشعث , عن الحكم بن عتيبة , عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أباه كان إذا قضى على رجل باليمين , فردها على الذي يدعي , فأبى أن يحلف: لم يجعل له شيئا , وقال: لا أعطيك ما لا تحلف عليه.
¥