قال أبو عبيد: على أن رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة. فالذي في الكتاب: قول الله تعالى: [ص: 77] {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم}.
ثم قال: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان. فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما. وما اعتدينا. إنا إذا لمن الظالمين. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم}.
وأما السنة: فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القسامة بالأيمان على المدعين , فقال: {تستحقون دم صاحبكم بأن يقسم خمسون: أن يهودا قتلته. فقالوا: كيف نقسم على شيء لم نحضره؟ قال: فيحلف لكم خمسون من يهود ما قتلوه}.
قال: فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الآخرين , بعد أن حكم بها للأولين. فهذا هو الأصل في رد اليمين. قلت: وهذا مذهب الشافعي ومالك.
وصوبه الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه: وليس المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم في النكول ورد اليمين بمختلف , بل هذا له موضع , وهذا له موضع , فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به فرد المدعى عليه اليمين , فإنه إن حلف استحق , وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد , فإن المقداد قال لعثمان: " احلف أن الذي دفعته إلي كان سبعة آلاف وخذها " فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به , كيف وقد ادعى به؟ فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار.
وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك , والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته , فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول , ولم ترد على المدعي , كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام. فإن عثمان قضى عليه " أن يحلف أنه باع الغلام وما به داء يعلمه " وهذا يمكن أن يعلمه البائع , فإنه إنما استحلفه على نفي العلم: أنه لا يعلم به داء , فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله.
وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له على فلان كذا وكذا , فادعى به عليه , فنكل. وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا , أو أقرضني إياه , لم ترد عليه اليمين , فإن حلف المدعى عليه , وإلا قضي عليه بالنكول , لأن المدعى عليه يعلم ذلك.
وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانا أحالني [ص: 78] عليك بمائة , فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين , وقال للمدعي: أنا لا أعلم أن فلانا أحالك " , ولكن احلف وخذ , فهاهنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه. وهذا الذي اختاره شيخنا رحمه الله هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين , وبالله التوفيق.
ـ[فهدالغيهب]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, مساء 05:19]ـ
وجزاك الله خيرا
أخي الشيخ عبد الله الشهري فقد استفدت بحق من هذه المذاكرة الفقهية
ومن مداخلات الشيخ الحمادي بارك الله فيه
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمpr-2007, مساء 08:31]ـ
ومنكم نستفيد وننتظر ما عندكم أخي فهد من مزيد فوائد.
أخي الحبيب المبارك أبا محمد، لا أكتمك أني لما رأيت جوابك الأول طويلاً لم أتأمله على وجهه. فقد أذهلني عن ذلك إرادتي للضابط الذي في نفسي مباشرة،كما فعلت أنت مشاركة تالية. أما قولي:
وظاهر من هذه المسائل أنها ليست من باب القسامة ولا الأبواب التي ساقها الأخ فهد.
فأردت فقط أن الاستثناء الجاري على باب القسامة جرى على غيره من الأبواب وليس منحصراً فيه. وقد علمت الآن إشارتك المتقدمة إلى ذلك.
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[29 - Nov-2008, صباحاً 09:24]ـ
ومثال آخر ضربه الشيخ وهو لو قبض الأمين العين لمصلحة مالكها (مثل الوديعة) ثم ادعى الرد فهل نلزمه باليمين مع أنه مُحسن؟
ثم كان جواب الشيخ أنه يحلّف لأن اليمين لا تضره إن كان صادقاً وإذا نكل فإنه يضمن.
ذكر ابن فرحون في تبصرة الحكام أن نكول المدعي إذا كان من أهل الوجاهة لا يعتمد عليه مطلقاً لأنه ربما نكل لحفظ ماء الوجه وربما كان شديداً حريصاً في هذا الجانب. وقد راعت الشريعة هذا الأمر. نظير هذه الحال كثير في أبواب الفقه لا سيما المعاملات، ألا وهو اعتبار الحالة النفسية أو الاجتماعية للشخص وتأثير ذلك في تشكيل الأحكام، ومن ذلك لو اعترف ذو مروءة وفضل أمام القاضي بحق ليس عليه ليسلم من تشنيع الخصم ويحفظ مكانته الاجتماعية.
ـ[حمد]ــــــــ[30 - Mar-2009, صباحاً 07:40]ـ
فائدة خارجة عن سؤال الموضوع:
تفسير الطبري ج7/ص124
فحينئذ ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين؛ لأن الوصيين تحولا مدعيين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرين بالمال للميت مدعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذ إلى بينة تصحح دعواهما، وورثة الميت رب السلعة أولى باليمين منهما، فذلك قوله تعالى: ((فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما)) الآية