وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم أبا عزة في غزاة بدر؛ لما قال له: إنه ذو بنات، ولما أمسكه بحمراء الأسد من صبيحة أحد بعد أن اشترط ألا يعين عليه المشركين، وقال له: يا محمد! عفوك مرة أخرى. فقال: لا والله، لا تحك عارضيك بين نساء مكة وتقول: غررت محمدًا مرتين!! فقتله صلى الله عليه وسلم [20] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn20) .

فهذا كله يدل على أن الأمر في ذلك إلى الإمام، إن رأى المصلحة للمسلمين القتل قَتَل، وإن رأى أنها الفداء فدى، وإن رأى أنها المنُّ منَّ، وهذا هو التحقيق إن شاء الله [21] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn21) .

قوله: {كُلَّ مَرْصَدٍ} قال بعض العلماء هو منصوب على أنه ظرف، قاله الزجاج [22] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn22) وغلطه في أبو علي الفارسي [23] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn23)، وقال إن مثل هذا لا ينصب على الظرف؛ لأن الطريق مكان محصور كالمسجد والبيت، فلا يكون ظرفا، وإنما هو منصوب بنزع الخافض [24] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn24) .

وعلى هذا فمعنى {واقعدوا لهم كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتأخذوهم في غرتهم، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام [25] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn25).

? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم

والتوبة عن الشرك هي الإيمان، أي فإن آمنوا إيمانا صادقا، بأن أقاموا الصلاة الدالة إقامتها على أن صاحبها لم يكن كاذبا في إيمانه، وبأن آتوا الزكاة الدال إيتاؤها على أنهم مؤمنون حقا، لأن بذل المال للمسلمين أمارة صدق النية فيما بذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كف القتال عنهم إذا آمنوا، وليس في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة جزء من الإيمان.

وحقيقة (فخلوا سبيلهم)؛ اتركوا طريقهم الذي يمرون به، أي اتركوا لهم كل طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قادمين عليكم، إذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين، فإنهم صاروا إخوانكم، كما قال في هذه الآية.

وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلا في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم، يقال: خل سبيلي، أي دعني وشأني، كما قال جرير::

خل السبيل لمن يبني المنار به ... وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر

وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله: واقعدوا لهم كل مرصد ..

وجملة: (إن الله غفور رحيم)؛ تذييل أريد به حث المسلمين على عدم التعرض بالسوء للذين يسلمون من المشركين، وعدم مؤاخذتهم لما فرط منهم، فالمعنى اغفروا لهم، لأن الله غفر لهم وهو غفور رحيم، أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر لهم ما فرط منهم كما تعلمون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عما مضى [26] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn26) .

* وقد اعتمد الصديق -رضي الله عنه- في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته.

ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة، التي هي حق الله -عز وجل- وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة [27] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn27) " الحديث.

وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له [28] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=14#_ftn28) .

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015