(و لما بدا من مكنون السر ما بدا، و وفق الله الكريم لمن شاء منه هدى لم أزل أقيّد من أوابده، و أضم من شوارده، تفاصيل و جملاً، و أسوق من شواهده في مصادر الحكم و موارده مبيَّناً لا مجملاً، معتمداً على الاستقراءات الكلية غير مقتصر على الأفراد الجزئية، و مبيِّناً أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة و المنة، في بيان مقاصد الكتاب و السنة).
- هذه القضية الأولى:
و خلاصتها: أنَّ حصر مناهج التصنيف في الطرق الثلاث أمرٌ غير دقيق رغم تواتر معظم الكاتبين في مناهج التصنيف على هذا، و السبب فيما يظهر أن هؤلاء اعتمدوا على مقولة ابن خلدون الذي يعدّ أول من ذكر هذا التقسيم، و تناقلوها دون مناقشة لها.
- وهكذا القضية الثانية أيضاً:
و هي تسمية منهج غير الأحناف بمنهج المتكلمين لما في طريقتهم من الشَّبَه بطريقة أهل الكلام التي تستند إلى الدليل العقلي دون نظر في الجزئيات فإن ابن خلدون أطلق هذه المقولة حيث قال:
(ثم كتب فقهاء الحنفية فيه، و حققوا تلك القواعد،و أوسعوا القول فيها، و كتب المتكلمون ايضاً كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمسُّ بالفقه و أليق بالفروع، لكثرة الأمثلة منها، و الشواهد، و بناء المسائل فيها على النكت الفقهية.
و المتكلمون يجردون صور تلك المسائل على الفقه -هكذا-. و يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن، لأنه غالب فنونهم و مقتضى طريقتهم).
هكذا قال ابن خلدون –رحمه الله-، و أخذ من جاء بعده هذه المقولة دون تمحيص.
و لنا على هذه القضية ملاحظتان:
الأولى: تسمية من عدا الأحناف بالمتكلمين.
و نقول في هذا: إن علم الكلام الذي يُنسب إليه المتكلمون علمٌ مذموم عند السلف.
و هو شعار لمن ترك الاستدلال بالكتاب و السنة، و مال إلى أقوال الفلاسفة و قواعد المنطقيين.
فإطلاق هذه التسمية على من عدا الأحناف من المالكية و الشافعية و الحنابلة و الظاهرية و غيرهم إطلاقٌ يحمل في لفظه ما يقتضي رفضه، و يدل معناه على ما يستوجب نقضه.
الثانية: القول بأنَّ من عدا الأحناف يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن، لأنه غالب فنونهم و مقتضى طريقتهم، قولٌ ينقصه البرهان، بل إن الناظر في كتب القوم يجد أنهم يستدلون على قضاياهم الأصولية بأدلة من الكتاب و السنة و الإجماع و المعقول، فهم مستندون في آرائهم الأصولية على هذه الأدلة.
و كيف وهم جميعاً يقررون أن أصل الأدلة هو الكتاب، ثم السنة المبيّنة له، ثم الإجماع المستند إليهما، ثم القياس غير المعارض لهذه الأدلة؟.
نعم، إنهم لم يسلكوا مسلك الحنفية في استخراج آرائهم الأصولية من فتاوى أئمتهم، بل بنوا ذلك على ما يدل عليه الكتاب و السنة و الإجماع و المعقول الصحيح.
و بسبب هذا المنهج في الاستدلال لم يقعوا فيما وقع فيه الحنفية من تطويع القضايا الأصولية للفتاوى الفقهية.
لأن الشافعية مثلاً وجدوا إمامهم الشافعي قد دوّن أصوله و ضبطها، فلم يحتاجوا إلى استقراء فتاويه لمعرفة منهجه الأصولي.
أما الحنفية فإنهم لمّا لم يجدوا أصولاً مدوّنة لإمامهم و أصحابه اضطروا إلى استقراء الفتاوى و الفروع لاستنباط المنهج الأصولي الذي سار عليه الإمام أبو حنيفة و أصحابه.
و لذا فإننا نستطيع القول إنَّ منهج غير الحنفية أمسّ بالأصول و أليق بالكليات، و منهج الحنفية –كما قال ابن خلدون- أمسّ بالفقه و أليق بالفروع.
إنَّ تسمية هذا المنهج بطريقة المتكلمين اصطلاحٌ غير مناسب لما تقدّم من حيث التسمية، و من حيث الواقع في التصنيف، و لذا فإننا نرجّح أن نسمي منهج الحنفية: " المنهج الاستقرائي الجزئي"،و نسمي منهج الشافعية و من نسج على منوالهم: " المنهج التأصيلي الكلي".
و بهذا مع ما تقدّم يتحصّل لنا خمسة مناهج في التصنيف في أصول الفقه:
أولها: المنهج التأصيلي الكلي.
و هو الذي سار عليه جمهور الشافعية و المالكية و الحنابلة.
وهو الذي سماه ابن خلدون و غيره: (منهج المتكلمين).
الثاني: المنهج الاستقرائي الجزئي.
و هو الذي سار عليه جمهور الحنفية.
وهوالذي سمّاه ابن خلدون و غيره: (منهج الفقهاء).
الثالث: منهج الجمع بين الطريقتين السابقتين.
و هو الذي سار عليه بعض الحنفية و بعض الشافعية.
الرابع: المنهج الاستقرائي الكلي.
و هو الذي سار عليه الإمام الشاطبي.
¥