و الفرق بينه و بين منهج الحنفية، أن استقراء الشاطبي رحمه الله استقراء لأحكام الشريعة و مقاصدها الكلية.
أما الحنفية فمنهجهم قائم على استقراء جزئيات فقه الإمام أبي حنيفة رحمه الله و أصحابه.
الخامس: المنهج التفريعي.
و هو الذي وسمناه بمنهج: (بناء الفروع على الأصول) و سار عليه بعض المالكية و بعض الشافعية و بعض الحنابلة.
و إذا أردنا أن نستقصي الكلام في مناهج التصنيف في أصول الفقه فإنه يلزمنا أن نذكر أن من العلماء من سلك مسلك الجمع الموسوعي لمسائل علم الأصول من جميع المذاهب.
و أول من سلك هذا – فيما نعلم – الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي الشافعي المولود 745هـ، و المتوفى سنة 794هـ،و المالكية و الحنابلة و الظاهرية و المعتزلة و الشيعة.
قال في مقدمته: (و قد اجتمع عندي –بحمد الله- من مصنفات الأقدمين في هذا الفن ما يربو على المئين، و ما برحت لي همة تهم في جمع اشتات كلماتهم و تجول، و من دونها عوائق الحال تحول، إلى أن منَّ الله سبحانه بنيل المراد، و أمدَّ بلطفه بكثير من المواد، فمخضت زبد كتب القدماء، و وردت شرائع المتأخرين من العلماء، و جمعت ما انتهى إلي من أقوالهم، و نسجت على منوالهم، و فتحت منه ما كان مقفلا، و فصّلت ما كان مجملا، بعبارة تستعذب، و إشارة لا تستصعب، و زدت في هذا الفن من المسائل ما ينيف على الألوف، و ولّدت من الغرائب غير المألوف، و رددت كل فرع إلى أصله، و شكلٍ قد حيل بينه و بين شكله، و أتيت فيه بما لم أسبق إليه، وجمعت شوارده المتفرقات عليه بما يقضي منه العجب، و إن الله يهب لعباده ما يشاء ان يهب).
و قد صنف العلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1255هـ كتابه المعروف بـ" إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول "
و يظهر - و الله أعلم – أنه اختصار شديد لكتاب الزركشي، و إن كان المصنف لم يشر إلى هذا، لكن الذي يرى ما فيه من استقصاء لأقوال العلماء في المسائل الأصولية يغلب على ظنه ما ذكرناه –و الله اعلم-.
القضية الثالثة: أن مؤرخي علم الأصول يذكرون تبعاً لابن خلدون أن أشهر و أحسن ما ألّف على طريقة المتكلمين أربعة كتب، هي:
-البرهان لإمام الحرمين.
-المستصفى للغزالي.
و هما من الأشعرية.
- العهد لعبد الجبار.
-شرحه المعتمد لأبي الحسين.
و هما من المعتزلة.
و هذا الذي يذكر يحتاج إلى وقفة، حيث إن الناظر في هذه المقولة يلحظ الأمور التالية:-
أولاً:أن هذه المصنفات الأربعة كلها لعلماء من الشافعية.
فأين مصنفات علماء المالكية و الحنابلة؟!!
ثانياً: أن هذه المصنفات الأربعة لشافعية ذوي اتجاه أشعري أو معتزلي.
فأين مصنفات الشافعية ذوي الاتجاه السلفي؟!!.
و لتوضيح الأمر الأول نقول: إن هناك مصنفات تعد من أهم مصنفات علم الأصول، قام بتصنيفها علماء أفذاذ من المالكية و الحنابلة، و هي من الشهرة و الحسن بالمكان الذي لا يخفى على من يؤرخ لعلم أصول الفقه.
و من هذه المصنفات:
1 - التقريب و الإرشاد، للقاضي الباقلاني المتوفى سنة 403هـ.
.......................
2 - الملخص، للقاضي عبد الوهاب البغدادي المتوفى سنة 422هـ.
......................
3 - إحكام الفصول في أحكام الفصول، لأبي الوليد الباجي المتوفى سنة 474هـ.
...................
4 - المحصول في علم الأصول،لأبي بكر ابن العربي المتوفى سنة 543هـ.
.................
هذه كلها في أصول فقه المالكية، أما أصول فقه الحنابلة فأشهرها و أجلها ما يلي:
1 - العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى الفراء المتوفى 458هـ.
................
2 - التمهيد، لأبي الخطاب الكلوذاني المتوفى سنة 510هـ.
.................
3 - الواضح في أصول الفقه، لأبي الوفاء ابن عقيل البغدادي المتوفى سنة 513هـ.
.................
و قد ذكر الثاني و الثالث الزركشي ضمن مراجعه في البحر المحيط.
أما أصول فقه الظاهرية فأشهرها و أجمعها:
- كتاب " الإحكام في أصول الأحكام " لأبي محمد ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456هـ.
و هذه المصنفات كلها في الفترة نفسها التي عاش فيها علماء الشافعية الذين يذكرهم مؤرخو علم أصول الفقه، بل منهم من هو قبلهم.
أما الذين من بعدهم من أصحاب المصنفات من أرباب المذهب المالكي و الحنبلي و الظاهري و غيرهم فكثير كثير.
¥