ـ[سلمان أبو زيد]ــــــــ[02 - Feb-2007, مساء 07:45]ـ
أما الأصل في مشروعية الذكاة عموما، فهو الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى في آية المائدة: ? حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ? الآية [سورة المائدة الآية 3].
وأما السنة فحديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ((يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرني ماذا يصلح لي؟ فقال: فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل)).
وأجمع أهل العلم على إباحة الحيوان البري المأكول بذكاته، قال الوزير في الحيوان البري: أجمعوا على أن ما أبيح أكله منه، لا يستباح إلا بالذكاة.
أما الحكمة من مشروعيتها، فإنا نعلم أن الله سبحانه ما شرع لخلقه شيئا إلا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، والأصل أن العبد يتلقى أوامر الله سبحانه ونواهيه بالقبول والتسليم علم الحكمة أو لم يعلمها، والعلماء يتلمسون الحكم في مشروعية الأحكام ويجتهدون في ذلك، وهذا أمر حسن؛ لأن العبد حين يعلم الحكمة يطمئن قلبه وتستنير بصيرته، ومن الحكم التي ذكرت في مشروعية الذكاة ما يلي:
1 - أن الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح، ولا يزول إلا بالذبح أو النحر، وأن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات خاصة، وبالذبح تطيب الذبيحة. يقول الله سبحانه: ? يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ? [سورة المائدة الآية 4] ويقول أيضا عز وجل: ? وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ? [سورة الأعراف الآية 157].
2 - ومن الحكم أيضا، أن في ذلك التنفير عن الشرك وأعمال المشركين، وأيضا فيه تمييز مأكول الآدمي عن مأكول السباع تكريما له.
3 - ومن الحكم أيضا إظهار الطاعة لله وتميز المسلم عن غيره بتعظيم شعائر الله، وبذلك تتحقق التقوى للمؤمن ? ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ? [سورة الحج الآية 32] إلى غير ذلك من الحكم.
هذا وإن الذكاة لتفتقر إلى خمسة أشياء: ذابح، وآلة، ومحل، وفعل، وذكر، وهذا بيان لكل واحد منها:
أما الذابح فيشترط له شرطان:
الأول: دينه فيشترط أن يكون مسلما أو كتابيا. ودليل حل ذبائح أهل الكتاب قوله تعالى:
? وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ? [سورة المائدة الآية 5] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (لا تأكلوا من الذبائح إلا ما ذبح المسلمون وأهل الكتاب) رواه سعيد بن منصور.
والشرط الثاني: عقله، فيعتبر لحل الذبيحة العقل، ليحصل منه القصد، فغير العاقل لا يصح منه القصد.
وعليه فلا تصح ذبيحة غير المسلم والكتابي، سواء كان مجوسيا أو وثنيا أو غيرهما.
ولا تصح ذبيحة من لا يصح منه القصد كالمجنون أو السكران أو الطفل غير المميز، إذا المعتبر في الحقيقة قصد التذكية، والعقل شرط في وجود القصد، يقول ابن قدامة رحمه الله - في ذكر شرطي الذابح -: (. . وعقله وهو أن يكون ذا عقل يعرف الذبح ليقصد، فإن كان لا يعقل كالطفل الذي لا يميز والمجنون والسكران، لم يحل ما ذبحه؛ لأنه لا يصح منه القصد فأشبه ما لو ضرب إنسانا بسيف فقطع عنق شاة) اهـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وإذا لم يقصد المذكي الأكل بل قصد مجرد حل يمينه لم تبح الذبيحة) اهـ.
وقد نقل الوزير ابن هبيرة الإجماع على اعتبار ذلك فقال: (أجمعوا على أن الذبائح المعتد بها، ذبيحة المسلم العاقل، والمسلمة العاقلة، القاصدين للتذكية، الذين يتأتى منهم الذبح، وقال: اتفقوا على أن ذكاة المجنون وصيده لا يستباح أكله) اهـ.
¥