صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: ? قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ? الآية [سورة الأنعام الآية 162]، والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله، إلى أن قال رحمه الله: وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص في قوة اليقين وحسن الظن، أمر عجيب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة كثير النحر) اهـ.
وإزهاق نفس الحيوان البري المأكول اللحم، شرط لحله إلا الجراد، فإنه مستثنى على القول بأنه حيوان بري؛ فتحل ميتته بلا ذكاة، وأما على القول بأنه حيوان بحري فلا إشكال في حل ميتته.
وإزهاق النفس يسمى بالذكاة.
والذكاة في اللغة: تمام الشيء، وسمي الذبح أو النحر أو العقر ذكاة؛ لأنه إتمام لزهوق النفس، ومنه قوله تعالى: ? إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ? [سورة المائدة الآية 3] أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه، ثم استعمل في الذبح أو النحر أو العقر، سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداء.
والذكاة في الاصطلاح: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري، بقطع الحلقوم والمريء أو عقر ممتنع.
ومن هنا يتبين لنا أمور:
الأول: أن الذكاة لا تعمل إلا في الحيوان البري مأكول اللحم دون البحري؛ لأن ميتة البحر حلال. يقول الله سبحانه وتعالى: ? أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ? [سورة المائدة الآية 96] ذكر المفسرون أن (صيد البحر) هو ما أخذ منه حيا، و (طعامه) هو ما قذفه البحر ميتا، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عن الجميع، ومن التابعين عكرمة وابن أبي سلمة عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري رحم الله الجميع، ذكر ذلك عنهم ابن كثير رحمه الله.
وأيضا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) رواه الخمسة والشافعي وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة وغيرهم رحمهم الله.
الثاني: أن الذكاة قسمان: اختيارية، واضطرارية. فالاختيارية تكون في الحيوان البري المقدور عليه، وتكون ذكاته بأحد طريقين: إما بالذبح أو بالنحر.
والذبح يكون بقطع الحلقوم والمريء من الحيوان المراد ذكاته، وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة وعليه عامتهم، وهو أيضا مذهب الشافعية.
وقيل غير ذلك، فمنهم من قال: يكفي أن يقطع ثلاثة من أربعة، والأربعة هي الحلقوم والمريء والودجان، فإذا قطع ثلاثة منها فقد حصلت الذكاة، وهذا هو مذهب الحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: (والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربعة يبيح، سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن، فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم) اهـ.
وقد جعله رحمه الله وجها في مذهب الحنابلة كما قاله المرداوي في الإنصاف. وعن الإمام أحمد رواية أنه يحصل بقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية.
أما المالكية فإنهم قالوا: إنه لا يحصل إلا بقطع جميع الحلقوم مع الودجين وإلا لم يحل على الأصح عندهم.
وقد اشترط الإمام أحمد رحمه الله في رواية قطع جميع الأوداج الأربعة لحل الذبيحة.
والصحيح أن قطع الحلقوم والمريء مجزئ، ومبيح للذبيحة لأن به يحصل المقصود من إنهار الدم المسفوح وزهوق نفس الذبيحة، والأفضل قطع ثلاثة من أربعة لأنه أبلغ في إنهار الدم وأسرع في زهوق نفس الذبيحة وإراحتها.
والكمال قطع الأربعة كلها، لتحقق المعاني السابقة على وجه الكمال.
أما النحر فهو بطعن الحيوان في لبته وهي الوهدة وهي ما بين أسفل العنق والصدر وهي منفذ إلى جوف الحيوان ومقتل له. والذبح يكون غالبا للغنم والبقر، والنحر للإبل، ويجوز أن ينحر ما حقه الذبح، ويذبح ما حقه النحر. هذه هي الذكاة الاختيارية أو ذكاة الحيوان المقدور عليه - كما هي عبارة غالب الفقهاء -.
أما الذكاة الاضطرارية، أو ذكاة الحيوان الممتنع أو غير المقدور عليه، فتكون بما عبر عنه هنا بالعقر، وهذا هو الأمر الثالث الذي تبين لنا من خلال التعريف.
والممتنع هو ما يعجز عن ذبحه أو نحره، إما لأنه قد ند فلم يقدر عليه، أو لأنه قد تردى في بئر، أو نحوهما من الأسباب، أو كان مما يمتنع عادة وهذا الأخير هو الصيد فإنه متوحش بطبعه.
والحكم فيما سبق كله هو العقر، بمعنى جرح الحيوان في أي موضع أمكن جرحه فيه لقتله، فمتى مات بهذا السبب حل أكله وهذا هو قول أكثر الفقهاء لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا)) وفي لفظ: ((فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا)) متفق عليه. وقد جاء عن السلف من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم آثار في هذا المعنى في مصنف ابن أبي شيبة، وفي سنن البيهقي، وغيرها.
هذا ما يتعلق بتعريف الذكاة، ونحن في هذه الكلمة الموجزة سنعرض بإذن الله للذكاة الاختيارية وهي ما يسميها عامة الفقهاء بذكاة الحيوان المقدور عليه.
[- يتبع إنْ شاءَ اللهُ تعالَى -]
¥