أقول: وهذا مما يروى، ولم يثبت هذا كله، وهذا الذي عناه الإمام الأزدي بقوله: (كان فيه تحامل على بعض السلف، وكان لا يكذب في الحديث ويؤخذ عنه الزهد والرقائق وأما الحديث فعامة حديثه عن ثابت وغيره فيها نظر ومنكر).
وما قاله من أن عامة حديثه عن ثابت وغيره فيها نظر ومنكر؛ فهذا تعسفٌ وتشددٌ من الأزدي لم يتابعه على قوله هذا أحدٌ من الأئمة والعلماء حتى من طعن في جعفر.
وقال أبو الأشعث أحمد بن المقدام: (كنا في مجلس يزيد بن زريع؛ فقال: من أتى جعفر بن سليمان وعبد الوارث فلا يقربني. وكان عبد الوارث ينسب إلى الاعتزال، وجعفر ينسب إلى الرفض).
فكل هذا مما اتهم به جعفر بن سليمان:
· الرفض والغلو.
· سب الشيخين.
· سب معاوية وآل أبي سفيان.
· التحامل على بعض السلف.
وكل هذا مما لا يصح ولا يثبت عنه رحمه الله ..
أما الرفض: فقد يكاد يجمع كل من عرفّ به وترجم له ونقل أخباره وأحواله أنه لم يكن رافضياً غالياً إطلاقاً، بل كان متشيعاً مائلا فقط.
وأما سب الشيخين: فلم يصح هذا عنه؛ وقصة أصل السب هذه بين تفاصيلها الأئمة بما لا يبقى معه مجالٌ للشك في عدم صحتها، بل أحواله تنافي هذا رحمه الله.
قال ابن عدي رحمه الله: (حدثنا محد بن نوح الجنديسابوري، حدثنا أحمد بن محمد العطار؛ قال: سمعت الخضر بن محمد بن شجاع يقول: قيل لجعفر بن سليمان: بلغنا أنك تشتم أبا بكر وعمر! قال: أما الشتم فلا، ولكن بغضا يا لك.
سمعت الساجي يقول: وأما الحكاية التي رويت عنه _ يعني هذه الحكاية التي ذكرتها _ إنما عنى به جارين كانا له وقد تأذى بهما؛ يكنى أحدهما أبا بكر ويسمى الآخر عمر، فسئل عنهما فقال: السب لا، ولكن بغضا يا لك، ولم يعن به الشيخين. أو كما قال).
فلذلك عقب الإمام الذهبي بقوله: (قلت: ما ها ببعيد _ أي: عدم صحتها _؛ فإن جعفرا قد روى أحاديث من مناقب الشيخين رضي الله عنهما، وهو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عدت مما ينكر، واختلف في الاحتجاج بها).
بل صرح في السير بقوله: (هذا غير صحيح عنه).
وبهذا يتبين لك عدم صواب كلام ابن حبان لما قال عنه: (وكان يبغض الشيخين) هكذا جازماً بما قاله عنه.
وأما سب معاوية رضي الله عنه، والتحامل على بعض السلف: فهذه كسابقاتها، لم يثبت هذا عنه رحمه الله، مروياتٌ تنقل من هنا وهناك لم يثبت منها شيء؛ ولم أجد أنه تكلم على أحدٍ من السلف بكلمة سوء فيما فتشت عنه! وقد يكون يكره بني أمية لكن لم أقف على أنه كان سباباً طعاناً سليط اللسان.
- قال ابن سعد في (الطبقات الكبرى ج7/ص288):
(جعفر بن سليمان الضبعي؛ وهو مولى لبني الحريش، ويكنى أبا سليمان، وكان ثقة وبه ضعف، وكان يتشيع).
- وقال أبو طالب أحمد بن حميد، عن أحمد بن حنبل: لا بأس به. قيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يكتب حديثه. فقال: حماد بن زيد لم يكن ينهى عنه؛ كان ينهى عن عبد الوارث ولا ينهى عن جعفر، إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل علي؛ وأهل البصرة يغلون في علي. فقلت: عامة حديثه رقاق؟ قال: نعم؛ كان قد جمعها، وقد روى عنه عبد الرحمن وغيره، إلا أني لم أسمع من يحيى عنه شيئا؛ فلا أدري سمع منه أم لا.
- وقال البخاري: يقال كان أمياً.
ونقل عن عبد الله بن أبي الأسود قوله: يخالف في بعض حديثه.
أقول: ولم أر هذا إلا لعبد الله فقط .. ومراده رحمه الله رفع المرسل، وإرسال المرفوع .. ولكن من تتبع صنيع الإمام الدار قطني وغيره في حديثه الذي خالف فيه من هذه الجهة يرى أنه في كثير من الأحايين يجعل الصواب مع جعفر بن سليمان.
- قال الجوزجاني في (أحوال الرجال ص110):
(جعفر بن سليمان الضبعي؛ روى أحاديث منكرة، وهو ثقة متماسك، كان لا يكتب).
- وقال العجلي في (معرفة الثقات ص268):
(جعفر بن سليمان الضبعي؛ ثقة، وكان يتشيع).
فكان الحق فيه مما روي عنه من أحوال وأقوال ما قاله الإمام الذهبي في (المغني في الضعفاء ج1/ص132)؛ حيث قال:
(جعفر بن سليمان الضبعي، صدوق صالح ثقة مشهور، ضعفه يحيى القطان وغيره، فيه تشيع، وله ما ينكر، وكان لا يكتب).
فهذا هو الإنصاف الحق في هذا الرجل .. وهو الذي بان لكثير من الأئمة وظهر لهم.
قال العباس، والليث بن عبدة: سمعنا يحيى بن معين يقول: جعفر بن سليمان الضبعي ثقة.
¥