وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنِ اتِّفَاقًا؛ وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدًا، فَلِذَلِكَ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَمَطَّرَ؛ أَيْ: قَصَدَ نُزُولَ الْمَطَرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ لَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ أَوَّلَ مَا وُكِفَ السَّقْفُ لَكِنَّهُ تَمَادَى فِي خُطْبَتِهِ حَتَّى كَثُرَ نُزُولُهُ بِحَيْثُ تَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

- قال الفسوي في (المعرفة والتاريخ ج1/ص44): (وفي سنة ثمان وسبعين ومائة مات جعفر بن سليمان الضبعي؛ وكان ثقة متقنا حسن الأخذ حسن الأداء، إلا أنه كان قريب الدار من أبى بكر وعمر ابني علي بن المقدمى).

وركز كل التركيز على هذه الجملة الأخيرة المهمة من هذا الإمام؛ فقد فهمت على غير وجهها من قبل كثير من أهل العلم ممن طعن وتكلم في جعفر بن سليمان.

فقد اتهم بأنه رافضي غالٍ يسب الشيخين .. وهذا كله لا يصح ولا يثبت؛ بل غاية أمره أنه يتشيع ويميل فقط.

- قال علي بن المديني: (جعفر بن سليمان الضبعي؛ ثقة يتشيع، ليس به بأس).

وقال أخرى: (ثقة عندنا، وقد كان يحيى بن سعيد لا يروى عنه).

وقال مرة: (جعفر بن سليمان الضبعي ثقة وكان يحيى بن سعيد القطان لا يكتب حديثه).

قلت: لم يكن يحيى بن سعيد القطان رحمه الله يروي عنه ولا يكتب لتشيعه وبدعته؛ ليس لشيء آخر في نفس جعفر من جهة حديثه .. وقد بينا أن مثل هذا في الراوي لا يضره إذا بان صدقه وفضله وثقته وعدم دعائه إلى بدعته، وسيأتي مزيد بيان وتوضيح إن شاء الله.

وقد أتى التصريح بذلك من قول ابن القطان نفسه؛ فقد نقل الإمام الزيلعي في (تخريج الأحاديث والآثار ج1/ص286) قال:

(قال ابن القطان في كتابه: ويرويه عن صالح بن رستم؛ جعفر بن سليمان الضبعي، وهو وإن كان أخرج له مسلم؛ فهو رافضي ضعيف. انتهى).

فما تشدد فيه الإمام يحيى بن سعيد القطان إلا لما ظن أنه ليس متشيعاً فقط .. وسيأتي بإذن الله ما يرد أنه كان رافضياً غالياً داعياً.

وهذا الأمر الذي دعا الإمام أبو الفضل ابن عمار الشهيد يستدرك هذا الحديث على الإمام مسلم فيما أعله من حديثه؛ حيث قال في كتابه (العلل ص86):

(وهذا حديث تفرد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت لم يروه غيره.

وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المخلدي، عن علي ابن المديني؛ قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره.

وأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن علي ابن المديني؛ قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير.

وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف).

أقول: ولا يعني أنه تفرد به من بين أصحاب ثابت أنه منكرٌ أو شاذٌ أو أنه لم يسمعه من ثابت؛ فيرد ويرفض ولا يقبل!! فكم من حديثٍ لم يروه عن شيخه على كثرة تلامذته إلا راوٍ واحد؛ ومع ذلك تقبل روايته هذه ويحتج بها، وسيأتي إن شاء الله أنه كان من أكثر الآخذين عن ثابت وملازمة له رحمه الله.

فقد روى سيار، عن جعفر؛ قال: اختلفت إلى ثابت البناني، ومالك بن دينار عشر سنين.

وقول الإمام علي: لم يكن عند جعفر كتاب، يريد أنه كان أمياً رحمه الله، وسياتي ذكر ذلك إن شاء الله.

وكون عنده أشياء ليست عند غيره؛ فهذا كثير عند الرواة في التفرد عن الشيخ بأحاديث لم يروها إلا لهم .. فلا ينكر هذا إلا إذا كثر وأغرب .. بل أن الإمام ابن الديني أوضح أنها قليلة بقوله: وكان فيها أحاديث مناكير.

فهل سينتقي الإمام الحجة مسلم بن الحجاج من هذه المناكير شيئاً ويودعه في صحيحه هكذاً خبط عشواء؟!!

قال أبو حفص ابن شاهين رحمه الله: (وهذا الخلاف في جعفر من ابن عمار في ضعفه؛ ومن يحيى بن سعيد في تركه = لعلة المذهب، لأنه يروى عنه أنه قيل له: تشتم أبا بكر وعمر؟ قال: شتماً لا، ولكن بغضا ما شئت.

وما رأيت من طعن في حديثه إلا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي).

قال أحمد بن سنان القطان: رأيت عبد الرحمن بن مهدي لا ينبسط لحديث جعفر بن سليمان، قال أحمد بن سنان: وأنا أستثقل حديثه.

لكن يرد هذا الإمام البزار رحمه الله تعالى؛ حيث يقول: (لم نسمع أحداً يطعن عليه في الحديث ولا في خطأ فيه، إنما ذكرت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم).

قال الدوري: (كان جعفر إذا ذكر معاوية شتمه، وإذا ذكر عليا قعد يبكي).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015