قوله: (وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر)، أي: متاعه الذي في بيته، أو في خيمته إن كان في البر، وكذلك ثيابه يخرجها؛ لأن هذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. أخرجه الشافعي في الأم، والثابت من سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم: "أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه"؛ أي: رفعه حتى يصيب المطر بدنه، ويقول: " لأنه حديث عهد بربه ".
وهذه السنّة ثابتة في الصحيح، وعليه فيقوم الإِنسان ويخرج شيئاً من بدنه إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه حتى يصيبه المطر اتباعاً لسنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم.
الشرح الممتع لابن عثيمين 2/ 458.
وقد سئل الشيخ عبد الله بن جبرين في موقعه على الشبكة العنكبوتية السؤال التالي: السؤال: ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه حديث عهد بربه؟ ومتى يقولها؟
الاجابة: لما نزل المطر مرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المنزل وكشف عن رأسه ليُصيبه المطر وأخذ يمسح رأسه بما أصابه ويقول: "إنه حديث عهد بربه" يعني أن هذا المطر حديث عهد بالله، فالله هو الذي أنزله من السماء وهو الذي خلقه وسخره، وهو الذي أمر بإنزاله، فيقول هذه الكلمة إذا خرج إلى المطر وأصابه فابتل رأسه وابتلت ثيابه رجاء بركته. والله أعلم. رقم الفتوى: (590).
قال الفخر الرازي: النوع الثاني من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولا شبهة أن المراد منه المطر وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء واستولوا عليه وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة وعطش المؤمنون وخافوا وأعوزهم الماء للشرب والطهارة وأكثرهم احتلموا وأجنبوا وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملاً تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير وكان الخوف حاصلاً في قلوبهم بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلاً على حصول النصرة والظفر وعظمت النعمة به من جهات أحدها زوال العطش فقد روي أنهم حفروا موضعاً في الرمل فصار كالحوض الكبير واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا وثانيها أنهم اغتسلوا من ذلك الماء وزالت الجنابة عنهم وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه.
وثالثها أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة
أما قوله وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ففيه وجوه الأول أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان الثاني أن الكفار لما نزلوا على الماء وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضاً واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام الثالث أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد
فإن قيل فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى؟ قلنا قوله لّيُطَهّرَكُمْ معناه ليزيل الجنابة عنكم فلو حملنا قوله وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله لّيُطَهّرَكُمْ حصول الطهارة الشرعية والمراد من قوله وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث ثم تقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان وذلك يوجب الحكم بكونه نجساً مطلقاً لقوله تعالى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ المدثر 5
النوع الثالث من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم ومعنى الربط في اللغة الشد وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى وَرَابِطُواْ آل عمران 200 ويقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال رجل رابط أي حابس قال الواحدي ويشبه أن يكون عَلَى ههنا صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة عَلَى تفيد الاستعلاء فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها.
والنوع الرابع من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى وَيُثَبّتَ بِهِ الاْقْدَامَ وذكروا فيه وجوهاً أحدها أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا ولولا هذا المطر لما قدروا عليه وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله بِهِ عائد إلى المطر وثانيها أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم لأن من كان قلبه ضعيفاً فر ولم يقف فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله بِهِ عائد إلى الربط وثالثها روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل فلما نزل المطر عظم الوحل فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله وَيُثَبّتَ بِهِ الاْقْدَامَ يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك.
التفسير الكبير للرازي 15/ 107.
¥