عبد الرزاق في المصنف رقم (8127)، ابن الجعد في مسنده رقم (1743) وهذا لفظه.
فانظر إلى هذا الاختلاف الشديد سنداً ومتناً لطريق منصور!! ثم يؤتى بكل سهولة ويقال طريق منصور أصح وأصوب!! دون تأمل وتتبع وسبرٍ وتأني.
لا ليس هكذا أيها الحبيب .. بل دونك عقبات لا بد أن تتخطاها لتقول هذا الكلام.
فلما وجد العلماء والأئمة هذا الاختلاف والتباين في طريق منصور؛ قاموا مشمرين لبيان أصح هذه الأوجه وأصوبها؛ فأول من وجدته تكلم في هذا الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة .. وذلك فيما رواه عنهما ابن أبي حاتم رحمه الله في كتابه (العلل 3/ 169)؛ حيث قال:
(وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو عَوانة، عَنِ الأعمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الأسود، عن عائِشَة؛ قالت: ما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَامَ العَشْرَ مِنْ ذِي الحجَّة قَطُّ.
وَرَوَاهُ أَبُو الأَحْوَص؛ فَقَالَ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عائِشَة؟
فَقَالا: هَذَا خطأٌ.
وَرَوَاهُ الثَّوريُّ، عَنِ الأعمَشِ .. ومنصورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ حُدِّثتُ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم).
فانظر إلى السؤال الدقيق الواضح من ابن أبي حاتم رحمه الله؛ حيث قدم سؤاله عن الحديث بالطريق المعروف المشهور من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، ثم أعقبه بطريقٍ آخر يروى به هذا الحديث .. هذا الطريق يرويه أبو الأحوص، عن منصورٌ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها .. وكأنه حصل عنده شك رحمه الله في صحة أحد الطريقين لمعرفته بطرق الرواية ومخارج الأسانيد .. فأتته الإجابة الشافية من أهل الخبرة والتدقيق والتي تؤكد صحة حدسه وظنه؛ فاخبراه رحمهما الله بأن طريق أبي الأحوص الذي وصل فيه حديث منصورٍ = خطأ.
ولم يعترضا على طريق الأعمش اطلاقاً؛ وما ذاك إلا لسلامته وصحته عندهما؛ وإلا لقالا بلا تردد: (هذان خطأ) ليس أحدهما فقط. فتأمل
ثم ذكرا بعد ذلك أن الثوري رحمه الله قد روى الطريقين جميعاً بالوجهين: فرواه مرة عن الأعمش موصولاً، ورواه أخرى عن منصور مرسلاً.
ولم يتكلما عن أيهما أصح بكلمة واحدة لا من قريب ولا من بعيد .. وهذا يدل على أن الطريقين صحيح، لا يخطأ أحدهما في مقابل الآخر .. وصله الأعمش، وقصره منصور.
وإلا فهل سيعرفان أن أحدهما أصوب من الآخر مقدماً عليه ويسكتان؟!! من سابع المستحيلات، وأنكر المنكرات، وأغرب المستغربات.
فأتى الإمام الدار قطني بعدهما وفعل عين ما فعله الإمامين السابقين رحم الله الجميع، إلا أنه توسع قليلاً في بيان هذا الأمر؛ فقال رحمه الله تعالى في كتابه (العلل 15/ 74) لما سئل عن حديث الأسود، عن عائشة: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر قط؛ فَقَالَ:
(يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، ولم يختلف عن الأعمش فيه .. حدث به عنه: أبو معاوية، وحفص بن غياث، ويعلى بن عبيد، وزائدة بن قدامة، و [الثوري، والفرات] بن [موسى و] سليمان، والقاسم بن معن، وأبو عوانة).
فانظر إلى تتبعه الدقيق رحمه الله لطريق الأعمش ومن رواه عنه .. ومع ذلك أعطى حكمه المسبق على هذا الطريق لأنه طريقٌ نظيف؛ وبين أنه لم يختلف عن العمش فيه، بل هو سندٌ مضبوطٌ متحقق الثبوت .. وبالمناسبة ما بين المعقوفين من وضعي بما يناسب السياق ففي الأصل خرم.
ثم وجد أن واحداً ممن روى عن الأعمش قد اختلف عليه في روايته لهذا الحديث؛ وهو الإمام الثوري رحمه الله، فأخذ الإمام الدار قطني يفند روايته؛ فقال متابعاً كلامه:
(واختلف عن الثوري: فرواه ابن مهدي، عن الثوري، عن الأعمش، كذلك) أي: موصولاً كما رواه عن الجماعة السابقين أعلاه .. ثم قال:
(وتابعه _ أي ابن مهدي _ يزيد بن زريع، واختلف عنه:
فرواه حميد المروزي، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن الأعمش، مثل قول عبد الرحمن بن مهدي _ أي: عن الأعمش موصولاً _.
وحدث به شيخ من أهل أصبهان، يعرف بعبد الله بن محمد بن النعمان، عن محمد بن منهال الضرير، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
¥