وتابعه _ أي: الشيخ من أهل أصبهان _ معمر بن سهل الأهوازي، عن أبي أحمد الزبيري، عن الثوري _ أي: عن منصور موصلاً _).
ثم لما فرغ رحمه الله من بيان اختلاف هذا الوجه عن الثوري؛ بين رحمه الله الصحيح من هذا الاختلاف عنه من جهة طريق منصورٍ فقط، ولا علاقة بالكلام هنا والتصحيح طريق الثوري عن الأعمش. فتنبه
فهذا الذي أشار إليه الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة في تعقيبهما الأخير من إجابة السؤال .. فلذك قال الإمام الدار قطني في تحديد الصواب من رواية الثوري عن منصور:
(والصحيح: عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ).
والدليل على أن الطريق الصحيح من رواية الثوري عن منصور هو الطريق المرسل ما قاله بعد ذلك من قوله مؤيداً:
(وكذلك رواه أصحاب منصور عن منصور مرسلا؛ منهم فضيل بن عياض، وجرير).
فأين من هذا الكلام أن الإمام الدار قطني أو الإمامان قبله أبو حاتم وأبو زرعة قالوا بأن طريق الأعمش خطأ وأن الصواب هو طريق منصور عموماً بلا نزاع؟!!
حقيقةً لا أعرف كيف يفهم الكلام من بعض المنتسبين للعلم وأهله .. فالله المستعان وعليه التكلان.
بل سئل الإمام الدار قطني مرة أخرى عن هذا الحديث ولم تتغير كلمته ولا حكمه عليه .. وهذا ما يؤيد كلامنا وأنه لم يفهم كلام الأئمة الفهم السليم.
فقال في (العلل 14/ 261) لما أن سئل عن حديث الأسود، عن عائشة قالت: ما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء إلا استنجى بالماء .. فقال:
(يرويه منصور، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عن عائشة .. حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي؛ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ موسى الأهوازي؛ قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي؛ قال: حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، بذلك.
وخالفه _ أي: أبو احمد _ وكيع، وأبو نعيم، [فـ]ـروياه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. مُرْسَلًا).
فانظر كيف جعل الاختلاف هنا على منصور وكيف جعل الاختلاف هناك على الثوري .. ولمن تدبر وترفق ونظر حق النظر عرف أن كلاهما صواب .. فالأول كان الكلام على روايتين للثوري اختلف عنه فيهما .. والثاني كان الكلام على طريق منصور فقط من جميع وجوهه. فتنبه وتأمل
وهذا الخلط هو الذي جعل بعض المتعلمة يتعجلون الرد والخطاب وكأنهم في حلبة مصارعة وقتال!!
ثم انظر إلى أنه هنا جعل الكلام فقط منحصراً على طريق منصور، لم يتعرض أو يتطرق لطريق الأعمش بحرفٍ واحد .. وكل هذا يؤيد ما قلته وأوضحته من مراد الأئمة وغاياتهم.
فالحاصل: أن كلام الأئمة واحد، وأن كلا الطريقين صحيح .. وصله الأعمش، وقصره منصور.
بل وجدت أن الأئمة ممن نقله من طريق الأعمش لم يتعرض لغمز الحديث ببنت شفة، أو بكلمة واحدة:
فذكره الإمام الأثرم في (الناسخ والمنسوخ ص179) تحت باب صيام العشر ولم يعترض عليه أو يعلق، ولو كان عنده شيئاً على هذا الحديث من هذا الطريق لما سكت عنه؛ خاصة وأنه من أكابر تلامذة الإمام أحمد رحمه الله، ولو كان يعلم أن الإمام أحمد قد تكلم على هذا الحديث من هذا الطريق لما وسعه إلا أن يذكر تعليق الإمام أحمد؛ لكنه لم يوجد شيءٌ من هذا القبيل.
وذكره الإمام البيهقي ورضيه؛ ولم يعقب عليه بأي طعنٍ يرده من جهة سنده؛ غاية ما قال: (والمثبت أولى من النافي مع ما مضى من حديث ابن عباس).
وشرحه الإمام الترمذي في (شرحه للصحيح 7/ 71) وفي (المجموع 6/ 387) ولم يعترض على سنده إطلاقا .. بل قال مؤيداً صحته: (وهذا مما يتأول).
ونقله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري 2/ 460) ولم يعترض عليه ببنت شفة .. بل قال بالنص: (وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ .. لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا).
¥