(وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ.
وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ .. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ الْأَسْوَدِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ).
فإنه عندما أتى بالمخالفات من رواية منصور للطريق الموصول؛ صحح بعد ذلك رواية الأعمش له. ونبه إلى أن هناك مخالفات أخرى لطريق منصور لكنها ليست من جهة رواية الوصل من طريقه؛ فأعرض عن ذكرها.
فلذلك قال الإمام الدار قطني في الموضع الآخر لما سئل عن هذا الحديث:
(رَوَاهُ الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عائشة، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ الْأَعْمَشُ فِيه. حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ: أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، وَزَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، وسُلَيْمَانَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ) .. ثم بعد ذلك أعقبه بطريق منصور ومخالفاته؛ والتي سبق بيانها.
فبان أن الكلام واحدٌ لجميعهم لا يختلف .. ولو نظرت إلى ما افتتح به الإمام الدار قطني جوابه على السؤال الأخير هذا لعرفت أن هذا الاستفتاح من دقائق العلم وغوامضه؛ قد لا ينتبه له الكثير؛ فإنه قال: (يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ) .. بمعنى أنه قد روي عنه موصولاً ومرسلا.
فذكر بعد ذلك طريق الأعمش الموصول وبين أنه سليمٌ لا شيء فيه .. ثم ذكر طريق منصور المرسل وبين خلله وعلله واختلافه عليه فيه؛ ثم بين الصواب من هذه الأوجه المختلفة لهذا الطريق _ أي: طريق منصور _؛ فقال خاتما تعليقه على هذا الطريق المرسل: (وَالصَّحِيحُ: عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: حَدَّثَ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ مَنْصُورٍ عَنْ مَنْصُورٍ مُرْسَلا، مِنْهُمْ فُضَيْلُ بْنُ عياض، وَجَرِيرٌ).
فركز كل التركيز على قوله الذي علمته لك باللون الأحمر؛ وستجد أن كلامه السابق كله منصبٌ على تصحيح وتصويب مختلف طريق منصور ممن وصله أو أرسله.
وهذا عين كلامه في جوابه الآخر على السؤال الأول أعلاه بداية المشاركة؛ حيث قال: (وَخَالَفَهُ وَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ؛ رَوَيَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا.
وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو الأَحْوَصِ وَزِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلا، وَهُوَ الصَّوَابُ).
فحقيقةً لا أعرف كيف يحسن الجرأة على تخطئة أحاديث صحيحة ثابتة رواها أئمة كبار جهابذة بمجرد النظر لأول وهلة بلا تدبر أو سبر أو تمحيص!!
ثم يأتي ضعيف نفسٍ ويقول: (سطوت على ما عندنا ووضعته هناك عندكم)!!
ويعلم الله تعالى تتبعت كتب العلل وأشباهها محاولة أن أجد من علّ الطريق الموصل من رواية الأعمش فلم أجد .. بل أن أبا مسعود بن محمد الدمشقي، وأبا الفضل بن عمار الشهيد في كتابيهما على صحيح مسلم لم يتعرضا لحديث الأعمش إطلاقاً ولو بحرفٍ واحد .. ولا أستغرب هذا؛ فلم يتعرض له أحدٌ قبلهم حتى يتعرضوا هم له.
ومن يعتذر بكون الإمام الدار قطني قد علق على هذا الحديث في كتابه التتبع؛ ويجعل هذا مقصداً لتعليل الحديث من قبل الدار قطني = فقد أبعد وتكلف ولم يعرف حقيقة هذا الكتاب الموسوم بـ (التتبع)؛ وأنه لا يلزم منه الإعلال، فقسمٌ كبير من التتبعات هي مجرد تعليقات وتعقبات على نكتٍ إسنادية أخرى ليس من شأنها المساس بالحديث المنقول من الصحيح .. وهذا يقف عليه من عرف الكتاب حق المعرفة. فتدبر
ومن أقحم الإمام أحمد في إعلال هذا الحديث؛ فوالله ما أنصف ولا صدق في هذا، وأين قال الإمام أحمد عن طريق الأعمش أنه معلول؛ وغيره أصح منه؟!!
غاية ما نبه عليه الإمام أحمد أنه اختلف في إسناد حديث عائشة _ وهذا الذي قاله الدار قطني في جوابه الثاني وقصد توضيحه _؛ فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا .. هذا كلام الإمام.
ومن تدبر كلام الإمام أحمد هنا عرف صحة ما توصل إليه الدار قطني من تصويب إرسال طريق منصور مما اختلف عليه فيه ممن وصله من طريقه وأرسله .. وهذه دقيقةٌ لا يتنبه إليها كثير من الناس.
يقول الإمام محب الدين الطبري في كتابه (غاية الأحكام) بعد إيراده للحديث:
(قال بعض الحفاظ: يحتمل أن تكون عائشة لم تعلم بصومه ... _ فذكر باقي التأويلات، إلى أن قال: _ وقال غيره: حديث عائشة متفق على صحته).
وقصده: متفق على صحته بين أهل العلم والحديث والرواية؛ لا أنه في الصحيحين. فتنبه
وقوله: (قال غيره) أي: من الحفاظ.
لم أشأ أن أترك هذا الحديث ملعباً يتلاعب به الرجال بلا زمام، وقد كنت آثرت عدم الرجوع هنا مرة أخرى، ولكنها الأمانة الملقاة على عاتقنا تجاه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وعلى الدفاع عن أئمة الدين من التلاعب بكلامهم وفهمه بغير مقصده؛ ومن ثم تقرير حكمٍ خطير من جراء هذا الفهم الخاطئ.
آخر الكلام، والصلاة على أفضل الخلق والسلام.
[1] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=68373#_ftnref 1) هذا المقطع الأخير ساقط عند ابن ماجه.
[2] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=68373#_ftnref 2) وعند ابن أبي شبة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر قط).
[3] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=68373#_ftnref 3) هذا المقطع الأخير ساقط عند ابن أبي شيبة.
[4] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=68373#_ftnref 4) وعند عبد الرزاق: (لم ير صائما في العشر قط).
[5] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=68373#_ftnref 5) هكذا أتى المتن عنده بدون الجزئية الأولى.
¥