ثم قال: ((فان كان المتروك من الخبر متضمناً لعبارة أخرى وأمراً لا تعلق له بمتضمن البعض الذي رواه ولا شرطاً فيه جاز للمحدث رواية الحديث على النقصان وحذف بعضه وقام ذلك مقام خبرين متضمنين عبارتين منفصلتين وسيرتين وقضيتين لا تعلق لأحدهما بالأخرى فكما يجوز لسامع الخبر الواحد القائم فيما تضمنه مقام الخبرين اللذين هذه حالهما رواية أحدهما دون الآخر فكذلك يجوز لسامع الخبر الواحد القائم فيما تضمنه مقام الخبرين المنفصلين رواية بعضه دون بعض)).

ثم قال: ((وإن خان من روى حديثاً على التمام إذا أراد روايته مرة أخرى على النقصان لمن رواه له قبل تاماً إن يتهمه بأنه زاد في أول مرة ما لم يكن سمعه أو أنه نسي في الثاني باقي الحديث لقلة ضبطه وكثرة غلطه وجب عليه أن ينفي هذه الظنة عن نفسه لأن في الناس من يعتقد في راوي الحديث كذلك انه ربما زاد في الحديث ما ليس منه وانه يغفل ويسهو عن ذكر ما هو منه وانه لا يؤمن أن يكون أكثر حديثه ناقصاً مبتوراً فمتى ظن الراوي اتهام السامع منه بذلك وجب عليه نفيه عن نفسه وان كان النقصان من الحديث شيئاً لا يتغير به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ والراوي عالم واع محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان فان ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى دون من لم يجز ذلك)) ([31] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn31)).

قال ابن كثير: ((فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري: اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.

وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديماً وحديثاً)) ([32] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn32)).

قال ابن حجر: ((أما اختصار الحديث: فالأكثرون على جوازه، بشرطِ أن يكون الذي يَخْتَصِرُهُ عالماً؛ لأن العالم لا يَنْقُص من الحديث إلا ما لا تَعَلُّقَ له بما يُبْقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختلُّ البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خَبَرَيْنِ، أو يدل ما ذكره على ما حذفه، بخلاف الجاهل فإنه قد يُنْقِص ما له تَعَلُّقٌ، كترك الاستثناء)) ([33] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn33)).

المسألة الثانية: تقطيع متن الحديث من أجل تفريقه في الأبواب.

إذا كان المتن متضمناً لعبادات وأحكام لا تعلق لبعضها ببعض فإنه بمثابة الأحاديث المنفصل بعضها من بعض ويجوز تقطيعه وكان غير واحد من الأئمة يفعل ذلك ([34] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn34)).

قال ابن الصلاح: ((وأما تقطيع المصنف متن الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب: فهو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد وقد فعله "مالك" و "البخاري: وغير واحد من أئمة الحديث ولا يخلو من كراهية، والله أعلم)) ([35] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn35)).

وأما قول إسحاق بن إبراهيم أنه سأل أبا عبد الله –أحمد بن حنبل- عن الرجل يسمع الحديث وهو إسناد واحد فيجعله ثلاثة أحاديث قال لا يلزمه كذب وينبغي أن يحدث بالحديث كما سمع ولا يغيره ([36] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn36)).

أن كلام الإمام أحمد إنما هو عند أداء الحديث من قبل الراوي، وأما تقطيع الحديث بقصد الاستدلال فالأمر أوسع.

والواقع التطبيقي في مصنفات الحديث، خصوصاً تلك التي اعتنت بالأبواب، كثرة وقوع ذلك فيها، والإمام البخاري من أكثر استعمالاً لذلك في صحيحه، والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: إحالة الرواية على سياق مذكور.

والمقصود: إذا روى المحدث الحديث بإسناد ثم أتبعه بإسناد آخر وقال عند انتهائه "مثله" أو "نحوه" فهل للراوي عنه أن يقتصر على الإسناد الثاني ويسوق لفظ الحديث المذكور عقيب الإسناد الأول.

في ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول: المنع. وهو قول شعبة فقد روي عنه أنه قال فلان عن فلان مثله لا يجزئ وروي عنه أنه قال قول الراوي نحوه شك.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015