قال ابن رجب معلقاً على كلام الترمذي: ((مقصود الترمذي رحمه الله بهذا الفصل الذي ذكره ههنا أن من أقام الأسانيد وحفظها وغيّر المتون تغيراً لا يغير المعنى أنه حافظ ثقة يعتبر بحديثه، وبنى ذلك على أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وحكاه عن أهل العلم.
وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء، ونص عليه أحمد، وقال: "ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى".
وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصيراً بالمعاني، عالماً بما يحيل المعنى وما لا يحيله، نص على ذلك الشافعي)) ([19] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn19)).
قال ابن رجب في شرح صحيح البخاري: ((اخْتِلاَف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى، ولا يراعون اللفظ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملاً، والآخر صريحاً لا احتمال فِيهِ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم)) ([20] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn20)).
وقال ابن حزم: ((أن يورد بنص لفظه لا يبدل ولا يغير إلا في حال واحدة وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه وعرف معناه يقيناً فيسأل فيفتي بمعناه وموجبه فيقول: حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وأمر عليه السلام بكذا وأباح عليه السلام كذا ونهى عن كذا وحرم كذا والواجب في هذه القضية ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذا)) ([21] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn21)).
وقال في موضع آخر: ((وليس اختلاف الروايات عيباً في الحديث إذا كان المعنى واحداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث كرره ثلاث مرات فنقل كل إنسان بحسب ما سمع فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحداً)) ([22] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn22)).
وقال ابن الصلاح: ((فإن لم يكن عالماً عارفاً بالألفاظ ومقاصدها خبيراً بما يحيل معانيها بصيراً بمقادير التفاوت بينها فلا خلاف أنه لا يجوز له ذلك وعليه أن لا يروي ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير ... .
والأصح: جواز ذلك في الجميع إذا كان عالماً بما وصفناه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين.
وكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمر واحد بألفاظ مختلفة وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ)) ([23] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn23)).
وقال المعلمي: ((الخلاف بالرواية مما لا يغير المعنى، كالتقديم والتأخير وإبدال كلمة بأخرى مرادفة لها وجعل الضمائر التي للمخاطب للمتكلم. وغيره فهذا من الرواية بالمعنى. وكانت شائعة بينهم فلا تضر)) ([24] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn24)).
وقال العلامة أحمد شاكر: ((والمتبع للأحاديث يجد أن الصحابة –أو أكثرهم- كانوا يروون بالمعنى، ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيراً منهم حرص على اللفظ النبوي، خصوصاً فيما يتعبد بلفظه، كالتشهد، والصلاة، وجوامع الكلم الرائعة، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك.
وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وإن اختلفت ألفاظهم، فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه. ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وسمع ألفاظه.
وأما من بعدهم، فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع، ولذلك ذهب ابن مالك –النحوي الكبير- إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو واتخذها شواهد كشواهد الشعر، وإن أبى ذلك أبو حيان رحمه الله. والحق ما اختاره ابن مالك.
وأما الآن، فلن ترى عالماً يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى، إلا على وجه التحدث في المجالس. وأما الاحتجاج وإيراد الأحاديث رواية فلا.
¥