الرابعة: قال السيوطي: إن عادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد؛ حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال في سورة الكهف: ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ... )) [{الكهف: 49]} إلى أن قال: ((ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ... )) [الكهف: 54]}.

والقواعد في هذا الباب كثيرة ومثيرة، وليس هذا موطن استقصائها.

أنواع المناسبات: (14)

للمناسبات في القرآن ثلاثة أنواع:

الأول: المناسبات في السورة الواحدة.

الثاني: المناسبات بين السورتين.

الثالث: مناسبات عامة.

ولكل نوع من هذه الأنواع أقسام كثيرة وسنقتصر في هذه العجالة على بعضٍ منها، مما يتضح به المقصود وينفتح به الباب للطالب الراغب.

النوع الأول: المناسبات في السورة الواحدة، ويتضمن أقساماً، ومنها:

أولاً: المناسبة بين أول السورة وخاتمتها:

مثاله: قوله ـ تعالى ـ: في أول سورة البقرة: ((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) [البقرة: 3]}، ثم قال في آخر السورة: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... )) [البقرة: 285] فهو في أول السورة يذكر صفات المتقين التي يتميزون بها وفي آخر السورة يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه قد امتثلوا تلك الصفات وتحلوا بها.

مثال آخر: في سورة (المؤمنون) افتتح السورة بذكر فلاح المؤمنين ((قد أفلح المؤمنون)) [{المؤمنون: 1]}، واختتمها بنفي فلاح الكافرين ((ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون)) [المؤمنون: 117]}.

ثانياً: المناسبة بين الآية والتي تليها:

مثاله: قوله ـ تعالى ـ: إياك نعبد وإياك نستعين {الفاتحة: 5} فإنه لما ذكر في أول السورة استحقاق الله ـ تعالى ـ لكل المحامد، وكونه رباً للعالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مع كل هذا الملك المتصرف في اليوم الذي لا ملك فيه لأحد إلا لله .. كان من شأن كل عاقل أن يُقبِل على مَنْ هذه صفاته وتلك عظمته معترفاً بالعبودية له والذل الكامل لجنابه العظيم ملتجئاً إليه طالباً منه العون والمدد، ثم إنه لما حمد وأثنى ومجّد واعترف بالعبودية ناسب أن يستشرف للطلب من ذلك الرب المستعان، فيقول: ((اهدنا الصراط المستقيم)) [{الفاتحة: 6].

ثالثاً: المناسبة بين حكمين في الآيات أو الآية:

وذلك كما في آيات الاستئذان حين أعقبها بالأمر بغض البصر؛ فإن الاستئذان إنما جعل من أجل أن لا يقع بصر المستأذن على عورة، ولو صادف أن وقع فإن على المستأذن أن يغض البصر، ثم إن العلاقة بين الحكمين بيِّنة؛ إذ فيهما ذكر ما تكون به العفة وحفظ العورات في المجتمع المسلم.

والمناسبة بين الأمر بحفظ الفرج والأمر بغض البصر تقدمت ـ فيما سبق ـ، وهما حكمان في آية واحدة.

رابعاً: المناسبة بين اسم السورة ومضمونها:

مثاله: المناسبة بين مضمون سورة الكهف واسمها؛ فإن السورة قد ذكرت أنواع الفتن التي تمر بالمرء؛ إذ ذكرت فيها الفتنة في الدين في قصة الفتية، وفتنة الجلساء في قوله: ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ... )) [{الكهف: 28]}، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، وفتنة القوة والكثرة في خبر يأجوج ومأجوج، وذكرت هذه السورة المخرج من كل واحدة من هذه الفتن؛ فكأنها كهف لمن اعتصم بها من الفتن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال" (15).

النوع الثاني: المناسبات بين السورتين: ويتضمن أقساماً منها:

أولاً: المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمة التي قبلها:

مثاله: في آخر سورة الإسراء قال تعالى: ((وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ... )) [{الإسراء: 111]}، وفي أول سورة الكهف التي تليها قال: ((الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ... )) [{الكهف: 1]}.

مثال آخر: في آخر سورة الطور قال: ((ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم)) [{الطور: 49]}، وفي أول سورة النجم قال: ((والنجم إذا هوى)) [{النجم: 1]}.

ثانياً: المناسبة بين مضمون السورة والتي تليها:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015