وأعظم من كتب في هذا العلم وأشفى على الغاية القصوى فيه، وغدا مرجعاً لا يستغنى عنه فيه هو برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) في كتابه: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" حيث ذكر المناسبات بين آيات القرآن وسوره كلها وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلداً.
القسم الثاني: الذين جعلوه نوعاً من علوم القرآن الكريم وتحدثوا عنه في باب من كتبهم، ومن أشهرهم:
1 - الزركشي في كتابه: "البرهان في علوم القرآن" فقد جعله النوع الثاني من كتابه الكبير.
2 - السيوطي في كتابه: "الإتقان" وقد جعله في النوع الثاني والستين.
القسم الثالث: المفسرون الذين عُنُوا بذكر المناسبات في تفاسيرهم، ومن أشهرهم:
1 - الفخر الرازي في تفسيره الكبير: "مفاتيح الغيب".
2 - أبو السعود في تفسيره: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم".
3 - سيد قطب في كتابه: "في ظلال القرآن" حيث كان يفتتح تفسير السورة بذكر موضوعها العام، ثم يربط بين مقاطع السورة على ضوء ما ذكره من موضوعها وجوّها العام.
فوائد هذا العلم:
لهذا العلم فوائد، ومن أهمها:
1 - أنه يزيل الشك الحاصل في القلب بسبب عدم التأمل في دقة النظم وإحكام الترتيب، وقد تقدم كلام البقاعي في هذه القضية (9).
2 - أنه يفيد في معرفة أسرار التشريع وحِكَم الأحكام وإدراك مدى التلازم التام بين أحكام الشريعة؛ فإذا قرأت قوله ـ تعالى ـ: ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم)) [{النور: 30]} وتعرفت على المناسبة بين الأمر بغض البصر وحفظ الفرج علمت ما بينهما من التلازم والتلاؤم؛ فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، ومن أطلق بصره في الحرام فحري أن تزلَّ قدمه في الآثام.
3 - أنه يعين على فهم معنى الآيات وتحديد المراد منها، ومن ذلك: خلاف المفسرين في معنى قوله ـ تعالى ـ: ((والصافات صفا)) [الصافات: 1]}، فقال قوم: هي الملائكة، وهذا قول الجمهور، وقال آخرون: هي الطير، والصحيح الأول؛ وذلك لأنا لو بحثنا عن المناسبة بين أول السورة وخاتمتها لوجدناه ذكر في الخاتمة في معرض حديث الملائكة عن أنفسهم: ((وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون)) [الصافات: 165، 166]}.
4 - وبه يتبين لك سر التكرار في قصص القرآن، وأن كل قصة أعيدت في موطن فلمناسبتها ذلك الموطن، ولذلك ترى اختلافاً في ترتيب القصة ونظمها بحسب المناسبة وإن كانت متحدة في أصل المعنى (10).
قواعد في علم المناسبات:
علم المناسبات كغيره من العلوم له قواعد وضوابط ينطلق منها المتحدثون فيه، ومنها:
الأولى: في كيفية التعرف على المناسبات في السورة جملة:
قال المشرالي المغربي: "الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها؛ فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك ـ إن شاء الله ـ وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة" (11).
وقد لخص البقاعي تجربته في التعرف على المناسبة فقال: "تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو" (12).
والمتأمل لما كتبه سيد قطب في ـ ظلاله ـ يجده سار على هذا المنوال في بيان أوجه الربط بين مقاطع السورة.
الثانية: قال الزركشي: "وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً؛ ليكون ذلك باعثاً على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه؛ ليُعلم عظم الآمر والناهي، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك" (13).
الثالثة: المزاوجة بين الوعد والوعيد، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب؛ وفي ذلك من الحكمة والمناسبة ما هو بيِّن لكل متأمل.
¥