يعتبر هذا القرن عصر السنة الذهبي إذ برز فيه كثير من الحفاظ والنقاد، من أمثال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه, وعلي بن المديني, ويحيى بن معين، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم، ممن كان على أيديهم تأسيس كثير من علوم الحديث، وكان لهم السبق في التصنيف في كل نوع من أنواع تلك العلوم الحديثية، واستوفوا المتون والأسانيد دراسة وبحثا.

ويمكن اختصار الحديث عن تدوين السنة في هذا القرن في الآتي:

1 - تجريد الأحاديث النبوية وتمييزها عن غيرها، بعد أن كانت قد دونت في القرن الثاني ممزوجة بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين.

2 - الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.

3 - تنوع المصنفات في تدوين السنة، حيث ظهرت كتب المسانيد والصحاح والسنن، ومختلف كتب الحديث، ومشكله وغيرها.

د - تدوين الحديث في القرنين الرابع والخامس:

تابع العلماء في القرن الرابع جهود السابقين، فكان منهم من سار على نهج الصحيحين في إخراج الأحاديث الصحيحة، ومنهم من سار على نهج أصحاب السنن في الاقتصار على أحاديث السنن والأحكام مع اشتمالها على الصحيح وغيره، ومنهم من عني بالتأليف في مختلف الحديث ومشكله.

كما ظهرت في هذا القرن كتب المستدركات والمستخرجات والمعاجم والعلل.

وفي القرن الخامس ظهرت النواة الأولى للمسموعات الحديثية، ومن ذلك كتب الجمع بين الصحيحين، وكتب الجمع بين الكتب الستة، وغير ذلك.

3 - أنواع المصنفات التي عنيت بتدوين الحديث النبوي:

تحدث الحافظ بن حجر رحمه الله في (هدي الساري مقدمة فتح الباري) عن نشأة التصنيف عند المحدثين فقال:" اعلم علمني الله وإياك أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم مدونة في الجوامع، ولا مرتبة، لأمرين، أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في صحيح مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

وثانيهما: لسعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما".

وقد نوع المحدثون تصانيفهم، وتفننوا فيها، ومن أهم أنواع التصنيف عندهم الأنواع الآتية:

1 - الكتب المصنفة على الأبواب الفقهية:

وطريقة هذا التصنيف أن تجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد إلى بعضها البعض تحت عنوان عام يجمعها، مثل: (كتاب الصلاة)، (كتاب الزكاة)، وهكذا، تم توزع الأحاديث على أبواب، يضم كل باب حديثا أو أحاديث في مسألة جزئية، ويوضع لهذا الباب عنوان يدل على موضوعه، مثل: (باب مفتاح الصلاة الطهور)، ويسمي المحدثون هذا العنوان: (ترجمة).

وأهل هذه الطريقة منهم من يتقيد بالصحيح كالشيخين، ومنهم من لا يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة.

ويشمل هذا النوع من التصنيف كتب الجوامع، والسنن، والمصنفات، والموطآت، والمستدركات، والمستخرجات.

والجوامع جمع جامع، والجامع في اصطلاح المحدثين: هو كتاب الحديث المرتب على الأبواب، ويوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه، كالجامع الصحيح للإمام البخاري، والجامع للترمذي.

والسنن: هي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة مرتبة على الأبواب الفقهية، مثل السنن الأربعة، وسنن الشافعي والبيهقي والدارقطني والدارمي ..

وكتب السنن لا تشتمل على غير الأحاديث المرفوعة إلا نادرا, لأن الأحاديث الموقوفة والمقطوعة لا تسمى في اصطلاح المحدثين سننا.

والمصنف: هو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، المشتمل على الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة.

ومن أشهر المصنفات: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة.

والموطآت: جمع موطأ والموطأ لغة: المسهل والمهيأ.

وفي اصطلاح المحدثين: هو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، المشتمل على الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة، فهو كالمصنف وإن اختلفت التسمية.

والمستدرك: هو كل كتاب يخرج فيه صاحبه أحاديث لم يخرجها كتاب ما من كتب السنة, وهي على شرط ذلك الكتاب، مثل المستدركات على الصحيحين، ومنها مستدرك أبي عبد الله الحاكم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015