وقد ذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) عددا كبيرا من الصحف التي دونها التابعون، منها صحيفة أوصحف سعيد بن جبير (تلميذ ابن عباس)، وصحف مجاهد بن جبر المكي (تلميذ ابن عباس)، وصحيفة أبي الزبير محمد ابن مسلم المكي (تلميذ جابر بن عبد الله)، وصحيفة أيوب بن أبي تميمة السختياني، وصحيفة هشام بن عروة، وغير ذلك من الصحف التي رويت عن التابعين، وكانت هي الأساس الثاني لما صنف في القرنين الثاني والثالث.
- التدوين الرسمي للحديث:
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن دينار قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا».
وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله [7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn7)، عن ابن شهاب الزهري قال: «أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا».
وفي سنن الدارمي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المدينة: «انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله».
وأخرج ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله بسنده إلى الإمام مالك قال: «أول من دون العلم ابن شهاب الزهري».
والمراد بهذا التدوين: التدوين الرسمي الشامل الذي اتخذ صيغة العموم، وتداولت الأمة صحفه المكتوبة بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، فجعل الصحف مرجعا متداولا معتمدا لا يختص بصاحبه فقط، ولم يلبث التدوين المبوب المرتب أن انتشر بعد ذلك في منتصف القرن الثاني، فجمعت الأحاديث في المجامع والمصنفات.
ب - تدوين الحديث في القرن الثاني:
يشمل هذا القرن عصر جيلين هما: صغار التابعين، وأتباع التابعين.
أما جيل صغار التابعين فتصنف جهودهم في تدوين السنة ضمن جهود التابعين، وقد كانت جهودهم في عمومها مجرد جمع للأحاديث في صحف لا يراعى فيها تبويب أو ترتيب معين.
و أما جيل أتباع التابعين فيبتدأ من منتصف القرن الثاني، وقد كان لهذا الجيل الريادة في ابتداء التدوين المرتب على الأبواب والفصول, كما كانت له الريادة في التأسيس والتأصيل لعلوم السنة, ويمكن اختصار الحديث عن تدوين السنة في هذا القرن في الآتي:
1 - تطور التدوين في منتصف هذا القرن، فظهر التفريق بين التدوين الذي هو مجرد الجمع في الصحف، وبين التصنيف الذي هو الترتيب والتبويب والتمييز في المصنفات.
2 - أن المصنفات المدونة في هذا العصر قد جمعت إلى جانب الأحاديث النبوية أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين بمعنى أنها اشتملت على الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع، وكانت الصحف فيما مضى تقتصر على الأحاديث النبوية فقط.
3 - طريقة التدوين في مصنفات هذا القرن هي جمع الأحاديث المتناسبة في باب واحد، ثم يجمع جملة الأبواب والكتب في مصنف واحد.
- أشهر المصنفين في القرن الثاني:
ممن اشتهر بتأليف المصنفات في الحديث في هذا القرن، ممن عاصر الزهري، أو ممن أخذ عنه من تلامذته:
1 - أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري فقيه الحرم المكي، وإمام أهل الحجاز في عصره المتوفى سنة (150هـ) وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة وهو من تلامذة الزهري.
2 - محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي أحد الأعلام في المغازي والسير المتوفى سنة (151هـ) جمع كتابه (السيرة) المعروفة بسيرة ابن إسحاق وهو ممن أخذ عن الإمام الزهري.
3 - معمر بن راشد الأزدي اليماني المتوفى سنة (153هـ).
4 - سعيد بن أبي عروبة البصري المتوفى سنة (156هـ).
5 - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي المتوفى (156هـ).
6 - مالك بن أنس إمام دار الهجرة والمتوفى سنة (179هـ)، وهو أحد تلامذة الزهري والآخذين عنه. وغيرهم
ج - تدوين الحديث في القرن الثالث:
¥