ولا يجوز الاعتكاف في رحبة المسجد إلا أن تكون منه، ولا يجوز للمرأة ولا للرجل أن يعتكفا أو أحدهما في مسجد داره، برهان ذلك قول الله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فعمَّ الله تعالى ولم يخص، فإن قيل: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، قلنا: نعم، بمعنى: أنه تجوز الصلاة فيها، وإلا فقد جاء النص والإجماع بأن البول والغائط جائز فيما عدا المسجد، فصح أنه ليس لما عدا المسجد حكم المسجد، فصح أن لا طاعة في إقامة في غير المسجد، فصح أن لا اعتكاف إلا في مسجد، وهذا يوجب ما قلنا.

وقد اختلف الناس في هذا: فقالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ... وقالت طائفة: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ... وصحَّ عن إبراهيم وسعيد بن جبير وأبي قلابة إباحة الاعتكاف في المساجد التي لا تصلى فيها الجمعة، وهو قولنا؛ لأن كل مسجد بني للصلاة فإقامة الصلاة فيه جائزة فهو مسجد جماعة.

وقالت طائفة: الاعتكاف جائز في كلّ مسجد، ويعتكف الرجل في مسجد بيته، روينا ذلك عن عبدالرزاق عن إسرائيل عن رجلٍ عن الشعبي قال: (لا بأس أن يعتكف الرجل في مسجد بيته)، وقال إبراهيم وأبو حنيفة: (تعتكف المرأة في مسجد بيتها).

أما من حَدَّ مسجد المدينة وحده، أو مسجد مكة ومسجد المدينة، أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع، فأقوالٌ لا دليل على صحتها، فلا معنى لها، وهو تخصيصٌ لقول الله تعالى {وأنتم عاكفون في المساجد} ... " انتهى.

قلت: فهل هؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين لا يعرفون حديث حذيفة المرفوع حتى جاء (حلبي) فصححه لنا، وزعم أنه الحقّ، وهو السنة؟!

فالاعتكاف في كلّ المساجد معروف عند أهل العلم، ولا يُعرف له مخالف إلا ما رُوي من قول حذيفة فقط!

أوهام الشيخ الألباني – رحمه الله – في كلامه على حديث حذيفة في ((السلسلة الصحيحة)) رقم (2786).

قد أشرت مراراً أن (حلبيّ) اعتمد على كلام الشيخ الألباني في هذا الحديث، وما تقدم من نقد لكلام (حلبي) يشمل كلام الشيخ الألباني أيضاً، وهذه أوهام أخرى وقعت له أثناء كلامه على هذا الحديث:

1 - اعتمد الشيخ الألباني على رواية الإسماعيلي من طريق محمود بن آدم – وقد تصحف في الصحيحة إلى محمد – عن ابن عيينة.

قال الشيخ: "وهذا إسنادٌ صحيح على شرط الشيخين"!

قلت: كيف يكون على شرط الشيخين ولم يخرجا لمحمود بن آدم؟! بل لم يخرّج له أصحاب السنن كذلك، وهو – وإن كان صدوقاً – إلا أن ترك الأئمة له يدلّ على عدم الاعتماد على روايته إلا إذا توبع.

2 - ذكر الشيخ أن الفاكهي أخرج الحديث في ((أخبار مكة)) عن سعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن أبي عمر عن سفيان مرفوعاً، ثم قال: "فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه؛ لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم ... ".

قلت: رواية الفاكهي عن سعيد وابن أبي عمر عن سفيان موقوفة، وليست مرفوعة كما قال الشيخ! وقد بيّنت ذلك سابقاً.

وكأن (حلبي) عَرَف ذلك، ولهذا لم يُشر إلى هاتين الروايتين، ولو كانتا مرفوعتين فَلِم أغفلهما (حلبي)؛ ألأنهما لا تؤيدان مذهبه! هل هذه هي الأمانة العلمية؟!

3 - قال الشيخ إن سعيد بن منصور شك في رفعه، وهذا غير صحيح! فسعيد بن منصور شك في لفظه، ولم يشك في رفعه.

4 - تعقب الشيخ الألباني الشيخ شعيب في تعليقه على رواية الذهبي في ((السير)): "وقد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة"!

قال الشيخ الألباني: "وهذا يبطله قول ابن المسيب المذكور فتنبه ... فلا تغتر بمن لا غيرة له على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف، والله عزّ وجلّ يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ".

قلت: كيف يبطله، والمحفوظ من حديث ابن المسيب: ((لا اعتكاف إلا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم))، وقد بيّنت ذلك فيما سبق.

وغفر الله للشيخ الألباني كيف كانت اتهاماته جاهزة لمن يخالفه!! وكأنه هو الوحيد الذي عنده غَيرة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!

والحمدُ للهِ أولاً وآخراً.

وكتب: د. خالد الحايك.

1/ 3/1430هـ.

(1) مُشكل الآثار: (4/ 20).

(2) معجم شيوخ الإسماعيلي: (3/ 720).

(3) السنن الكبرى: (4/ 316).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015