قال أبو داود: "جعله قول عائشة".

قلت: وهذا أيضاً ليس من قول عائشة!

قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (60): "قد ذهب كثيرٌ من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة، وأن من أدرجه في الحديث وهم فيه! فقد رواه سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن عروة قال: المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضاً ولا يجيب دعوة ولا اعتكاف إلا بصيام ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. وعن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: المعتكف لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة".

قلت: والراجح أن هذا ليس من قول عائشة، وإنما هو من قول عروة.

3 - إشارة حلبي إلى الآثار الموقوفة والمقطوعة وأن في عدد منها ضعف! فيه إشارة إلى أنه اطّلع عليها كلّها! وفيه مبالغة؛ لأن كثيراً منها صحيح أو حسن، وقد ذكر ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (61): (باب من اعتكف في مسجد قومه ومن فعله)، وروى ذلك عن: أبي قِلابة، وسعيد بن جُبير، وهمام بن الحارث، وإبراهيم النخعي، وأبي سلمة، وأبي الأحوص، وعامر الشعبي.

ثُم ذكر باب (من قال: لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه)، وروى ذلك عن: علي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، والزهري، والحكم، وحماد، وأبي جعفر، وعروة بن الزبير.

وذكر عبدالرزاق في ((مصنفه)) (62): (باب لا جوار إلا في مسجد جماعة)، وروى ذلك عن: سعيد بن المسيب، وعلي بن أبي طالب، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وأبي الأحوص، والزهري.

وروى ابن الجوزي في ((التحقيق)) من طريق محمد بن أيوب، قال: حدثنا مسلم ابن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة: أنّ ابن عباس والحسن قالا: ((لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة)).

وقال ابن عباس: ((إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور)) (63).

وهذا الأخير رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (64) من طريق شَريك، عن ليث، عن يحيى بن أبي كثير، عن علي الأزدي، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور)).

فهل نخالف كلّ هؤلاء الأئمة من الصحابة والتابعين ونتمسك برواية مختلفٌ في ثبوتها!!

وقد أجمع أهل العلم على أن محل الاعتكاف في كلّ مسجد، ولا يختص بالمساجد الثلاثة:

قال الإمام مالك في ((الموطأ)) (65): "الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كلّ مسجد يُجمع فيه".

وقال ابن عبدالبر في ((الاستذكار)) (66): "وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد؛ لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد}.

فذهب قومٌ إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وإن كان لفظه العموم، فقالوا: (لا اعتكاف إلا في مسجد نبي، كالكعبة أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس) لا غير! ورُوي هذا القول عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب، ومن حجتهما أن الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معتكف في مسجده، وكان القصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد مما بناه نبيّ.

وقال آخرون: لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة؛ لأن الإشارة في الآيات عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد. رُوي هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير والحكم بن عيينة وحماد والزهري وأبو جعفر محمد بن علي، وهو أحد قولي مالك.

وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز. رُوي عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وإبراهيم النخعي وهمام بن الحارث وأبي سلمة بن عبدالرحمن وأبي الأحوص والشعبي، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والثوري، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ابن عُلية، وداود والطبري، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد".

وقال ابن حزم في ((المحلى)) (67): "والاعتكاف جائزٌ في كلّ مسجد جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع، كان مسقفاً أو مكشوفاً، فإن كان لا يصلى فيه جماعة، ولا له إمام لزمه فرض الخروج لكلّ صلاة إلى المسجد تصلى فيه جماعة، إلا أن يبعد منه بُعداً يكون عليه فيه حرج، فلا يلزمه، وأما المرأة التي لا يلزمها فرض الجماعة فتعتكف فيه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015