1 - قال حلبيّ – على لسان المعترض القائل بالاضطراب – إن وجه الاضطراب هو رواية الحديث مرفوعاً وموقوفاً على حذيفة؟! فهل الاضطراب من الراوي نفسه أم من الرواة عنه؟!

وقد بيّنت أن الاضطراب من ابن عيينة، وكونه اضطرب فيه لا يعني أننا طعنا فيه، وفي علمه، بل هو جبلٌ من جبال الحديث وأئمة الدِّين، ولكنه بشرٌ يصيب ويخطئ، وهو نفسه كان يقول لأصحابه عليكم بالسماع الأول كما ذكرت آنفاً.

ولكن حلبي – كعادته – في تهويل الأمور قال بأن "هذه دعوى جريئة باطلة ينكرها أهل العلم بالأسانيد والأخبار"!

روى الترمذي في ((العلل)) (58) قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين والجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية}، وربما اجتمعا في يوم فيقرأ بهما)).

قال: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: "هو حديثٌ صحيحٌ، وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته، قال مرة: حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير، وهو وهم، والصحيح: حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير".

2 - قوله: "إن الذي رواه موقوفاً واحدٌ فقط"! غير صحيح، فقد بيّنت فيما سبق أن ثلاثة رووه موقوفاً.

3 - هَبْ أن عبدالرزاق تفرد بروايته موقوفاً، فإن روايته تُرجح على رواية الثلاثة الآخرين؛ لأنه أوثق منهم وأثبت، وهذا الذي يجري عليه أهل النقد، فبطل الوجه الأول عند (حلبي)!

4 - إن مسألة الزيادة من الثقة مقبولة ليست على إطلاقها! فلأهل النقد قرائن يرجّحون بها الزيادات أو عدم قبولها.

وما نقله (حلبي) عن النووي لا يُسعفه؛ لأن الإمام النووي رأيه في هذه المسألة معروف، وتطبيق ذلك في شرحه لكتاب مسلم يدلّ عليه! ونسبته هذا الرأي لمحققي المحدثين وهم الذين صنّفوا في ((مصطلح الحديث))، غير أنَّ الأئمة النقاد المتقدمين لا يقولون بذلك كما بيّنه ابن رجب الحنبلي في ((شرح علل الترمذي)).

5 - ما ذكره في الاعتراض الثاني من نسبة الاضطراب في المتن إلى حذيفة لم يقل به أحد! وإنما أشار ابن حزم – كما تقدم – أن حذيفة أو من هو دونه شك في الرواية، والشك ليس اضطراباً في الغالب.

وقد نبهت إلى شك آخر في المتن – فيما سبق - لم يذكره (حلبي)!

6 - قوله: "لم يسلم إلا الحديث الثاني .. وبه العمل"! قول لا يصح! فإما أن نحكم على الحديث بالاضطراب، أو نقول بأنه موقوف على حذيفة، وهو اجتهاد منه، ولا يلزم به أحد.

ومن هنا فكلام الشيخ شعيب الأرنؤوط الذي ردّه حلبي هو الصحيح؛ وقد أشرت فيما سبق أن الحافظ ابن حجر جزم بنسبة ذلك إلى حذيفة.

7 - قوله: "حذيفة معه سنة مروية صحيحة، والجمهور فماذا؟ " قولٌ ساقطٌ! فلو كان مع حذيفة سنة لما تركها ابن مسعود، وقد علمت أن المرفوع عن حذيفة لا يصح! ثُم ما هذا التهكم على الجمهور بقوله: والجمهورُ فماذا؟

والله لو صحّ رفع الحديث عن حذيفة لما تركه الجمهور.

سادساً: الحديث معارض ومخالف لحديث عائشة:

قال حلبي: "الشبهة الخامسة: أنه معارضٌ ومخالفٌ لحديث عائشة: ((ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع))!

والجواب: أن لا مخالفة أو معارضة؛ بل هو تخصيصٌ أيضاً، إذْ واضحٌ جليٌّ أن حديث عائشة أعمُّ من حديث حذيفة فيجري العمل على المخصِّص له، ومما يؤكد هذا ويثبته أن حديث حذيفة أصرح بالرفع من حديث عائشة الذي هو في حكم المرفوع، أما حديث حذيفة فهو مرفوعٌ صراحةً.

وهذا من وجوه الترجيح عند أهل العلم" انتهى.

وقال في الحاشية: "ولا يوجد سوى ما ذكرت مما يُخالفُ حديثَ حذيفة، إلا بعض الآثار الموقوفة والمقطوعة، وفي عدد منها ضعفٌ!! " انتهى.

قلت:

1 - حديث حذيفة موقوف أيضاً.

2 - قول عائشة الذي نقله حلبيّ مختلفٌ فيه: هل هو قولها أم قول غيرها؟

والحديث رواه أبو داود في ((سننه)) (59) قال: حدثنا وهب بن بقية، قال: أخبرنا خالد، عن عبدالرحمن – يعني: ابن إسحاق -، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنها قالت: ((السُّنّة على المعتكف: أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بدّ منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)).

قال أبو داود: "غير عبدالرحمن لا يقول فيه: (قالت: السنة) ".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015