ذكر الطحاوي: (باب بيان مُشكل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من نهيه عن الحلف بغير الله تعالى، ومن ما روي عنه من حلفه بغيره تعالى، وما نُسخ من ضده منه)، ثم ساق الأحاديث، ثم قال: "فكان في هذه الآثار الثابتة إباحة ما قد جاء النهي عنه في الأول، فقال قائل من أهل الجهل بوجوه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا تضاد شديد. فكان جوابنا له في ذلك: أن ذلك لا تضاد فيه، ولكن فيه معنيان مختلفان كان أحدهما في وقت، وكان الآخر في وقت آخر، وكان الآخر منهما ناسخاً للأول منهما، وذلك غير منكر إذ كان كتاب الله تعالى فيه ما قد نسخ غيره مما فيه، ثم طلبنا الناسخ منهما للآخر ما هو؟ فوجدنا صالح بن شعيب بن أبان البصري أخبرنا قال: حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن المسعودي، حدثني معبد بن خالد، عن عبدالله بن يسار، عن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، فقال: «سبحان الله» قال: إنكم تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قال: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال لمن حلف فليحلف برب الكعبة». فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دلّ على أن المتأخر من المعنيين المختلفين اللذين ذكرناهما في هذا الباب هو النهي عن الحلف بغير الله تعالى لا الإباحة له فبان بحمد الله بما ذكرنا خلاف ما توهم هذا الجاهل، والله نسأله التوفيق".
قلت: وبعد هذا: أيُقال إن الطحاوي زعم النسخ؟! وأقول كما قال: "فبان بحمد الله بما ذكرنا خلاف ما توهم هذا الجاهل، والله نسأله التوفيق".
خامساً: أن الحديث مضطرب:
قال حلبي: "الشبهة الرابعة: أن الحديث مضطرب!!
قلت: وهذه دعوى جريئةٌ باطلةٌ، يُنكرها أهل العلم بالأسانيد والأخبار! وهاك ما قد يخطر ببال المنكر المعترض مورد الشبهة في إثبات دعواه:
الأول: أن الحديث رُوي مرفوعاً وموقوفاً كلاهما عن حذيفة، فهذا يردّ الرواية؟!
قلت: تقدَّم فيما مضى أنَّ الذين رَوَوْه مرفوعاً ثلاثة، والذي رواه موقوفاً واحدٌ فقط، وهو عبدالرزاق، عن ابن عيينة به موقوفاً ...
وخبر عبدالرزاق – وقد تفرّد به – لا يُعارض خبر الثلاثة الثقات الذين جزموا برفعه.
هذا وَجهٌ.
ووجهٌ آخر وهو أن الرفع زيادةٌ على الوقف، وهو من ثقات فيجب قبوله.
قال النووي في رسالته ((ما تمسُّ إليه حاجة القاري لصحيح الإمام البخاري)) (ص71 - بتحقيقي):
((إذا روى بعضُ الثقات الحديثَ متصلاً وبعضهم مرسلاً، أو بعضهم مرفوعاً وبعضهم موقوفاً، أو وصله هو، أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي عليه الفقهاء وأهل الأصول، ومحققو المحدّثين أنه يحكم بالوصل والرفع؛ لأنه زيادة ثقة)).
الاعتراض الثاني: أن الاضطراب واقعٌ فيما رواه حذيفة نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!
1 - فمرة روى مرفوعاً: ((كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح)).
2 - ومرة روى: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)).
3 - ومرة شكَّ، فزاد: ((أو في مسجد جامع)).
فالجواب: أن الحديث الأول، رواه الدارقطني (2/ 200) وقال عنه ابن حزم في ((المحلى)) (5/ 196): ((هذه سوأةٌ لا يشتغل بها ذو فهم، جُويبرٌ هالكٌ، والضحاكُ ضعيفٌ، ولم يدرك حذيفة)).
قلت: فمثله لا يفرح به!
أما الحديث الثاني فصحيحٌ بلا ريب كما تقدم.
أما الشك في الحديث الثالث فهو مرجوحٌ كما تقدم جوابه في ((الشبهة الثانية))!
فلم يسلم إلا الحديث الثاني، وهو ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) وهو صحيحٌ مرفوعٌ لم يعارض بأثر أو خبر، ولم يقو أمامه رأي أو فهم فعليه المعتمد، وبه العمل، والله وحده الموفِّقُ)) انتهى.
وقال في الحاشية: "وقد حاول الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على ((سير أعلام النبلاء)) (15/ 81) أن يقضي على النِّزاع في المسألة، فقال: ((وقد انفرد حذيفة بتخصيص الاعتكاف في المساجد الثلاثة، والجمهور على جوازه في أي مسجد من المساجد)).
قلت: وهذا قولٌ غير صحيح، إذ حذيفة معه سنة مروية صحيحة، والجمهورُ فماذا؟ ليس معهم سوى عموم الآية، وهو مُخصَّص بهذا الحديث النبوي الصحيح، فهو المعتمد الحقّ إن شاء الله تعالى". انتهى.
قلت:
¥