وكلّهم رواةٌ محتجٌّ بهم، وهشام بن عمار صدوقٌ، كبر فصار يتلقن، لكن موافقته للراويين قبله دليلٌ على أنه حفظه.
فاتِّفاق هؤلاء الرواة على رواية الحديث دون الشك المذكور في الرواية عند المعترض دليلٌ على مرجوحيتها، والله أعلم)). [حاشية: مختصراً من سلسلة الأحاديث الصحيحة، (رقم: 2786) بتصرف] انتهى.
قلت:
1 - هناك شك في غير هذه الرواية كما سبق بيانه:
ففي رواية محمود بن آدم: ((لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام - أو قال: إلا في المساجد الثلاثة)).
وفي رواية سعيد بن منصور: ((المساجد الثلاثة - أو قال - مسجد الجماعة)). ويؤيده ما عند مغيرة بن مِقسم عن إبراهيم: ((مسجد جماعة)).
وفي رواية سعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن يحيى: ((المسجد الحرام، أو في المساجد الثلاثة: مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس)).
ونَقلُ حلبي عن الألباني رواية محمود بن آدم مع روايتي محمد بن الفرج وهشام بن عمار يوهم أنه لا شك فيها، والصواب أن فيها شك أيضاً. وهذا الشك مؤثر في الرواية، وإن رجحنا أن المحفوظ ذكر: المساجد الثلاثة.
2 - ذكره لرواية هشام بن عمار وأنه حفظها فيه نظر! فقد بينت أنه لا يعتمد على الراوي عنه.
3 - كان الأولى بحلبي أن يستشهد برواية عبدالرزاق؛ لأنها لا شكّ فيها! ولكنه أعرض عن ذلك؛ لأنه هنا نقل في رد الشبهة كلام الشيخ الألباني! (57) وكان بإمكانه أن يضيف عليه رواية عبدالرزاق، ولكنه لم يفعل!!
رابعاً: أنّ الحديث منسوخ:
قال حلبي: "الشبهة الثالثة: أن الحديث منسوخ، كما قاله الإمام الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (4/ 20)!
فالجواب: هذه دعوى بلا برهان، وقولٌ بلا دليل، إذ ((لا يستدلُّ على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بوقت على أن أحدهما بعد الآخر، فيُعلم أن الآخر هو الناسخ أو بقول مَنْ سمع الحديث، أو الإجماع)).
وهذا أمر متفقٌ عليه بين الأصوليين، وإلا لأدّعى كلُّ إنسان نسخَ أي آية أو خبر شاء، وهذا من أنكر الأشياء!! فهل مِنْ دليل على ذلك الزعم؟! " انتهى.
قلت: هذه الدعوى تلقّفها (حلبي) من الشيخ الألباني – رحمه الله – وتبعه عليها، وهي دعوى غير صحيحة، وكلام الطحاوي في ((مشكل الآثار)) لم يُرد به (النسخ) الاصطلاحي المعروف عند الأصوليين – والذي بيّنه حلبي -! وإنما قصد المعنى اللغوي للنسخ، وهو الإزالة.
والواجب على من يتعقّب أهل العلم أن يكون عنده وعي ودراية بكلامهم، لا أن يطلق الكلام هكذا على عواهنه.
فالطحاوي ذَكرَ (باب بيان مُشكل ما رُوي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد التي لا يجوز الاعتكاف إلا فيها)، ثم ساق الحديث، ثم قال: "فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه إخبار حذيفة ابنَ مسعود أنه قد عَلِم ما ذكره له عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتَركَ ابن مسعود إنكارَ ذلك عليه، وجوابَه إيّاه بما أجابه به في ذلك من قوله: «لعلهم حفظوا» نَسخَ ما قد ذكرته من ذلك، وأصابوا فيما قد فعلوا، وكان ظاهر القرآن يدلّ على ذلك وهو قوله عز وجل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}، فعمَّ المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، إما مساجد الجماعات التي تقام فيها الجمعات، وإما هي وما سواها من المساجد التي لها الأئمة والمؤذنون على ما قاله أهل العلم في ذلك، والله عز وجل نسأله التوفيق".
قلت: فقوله: "نسخ ما قد ذكرته من ذلك وأصابوا فيما فعلوا"، يعني: أزال ما قد توهمته من نقلك عنه صلى الله عليه وسلم – بحسب الرواية المرفوعة التي أوردها الطحاوي -، وهم قد أصابوا في ذلك؛ لأن الأصل هو الاعتكاف في المساجد كلها.
وقول الطحاوي لا يدلّ بحال من الأحوال على إرادته للمعنى الاصطلاحي للنسخ! وكيف يخفى المعنى الاصطلاحي عليه وقد بنى كثيراً من مسائل كتابه هذا عليه.
وقد تتبعت كتابه هذا فوجدته دائماً يذكر الأحاديث المتعارضة وعندما يذكر النسخ فإنه يأتي بالناسخ والمنسوخ ووقت ذلك إن وجده، وأما حديثنا هذا فهل يدعي الطحاوي النسخ دون أن يأتي بالناسخ أو وقت ذلك؟! وكأن حلبي – وقبله الشيخ الألباني - توهم ذلك فلما وجد أنه ذكر الآية ظنّ أن الطحاوي يرى أن الحديث نُسخ بالآية، وهذا فهم – إن اعتقده – فهو فهمٌ سقيم، ولا يستقيم!!
¥