ولو كان مرفوعاً لما سكت عنه حذيفة، وتعليل حلبي لهذا السكوت واهٍ جداً، وليس قائماً على حجة مقنعة، بل هي اضطرابات نفسية عنده!! وأين إصرار حذيفة (المزعوم) وحرصه على رواية الحديث إذ لم يثبت أنه رفعه؟!!
بل إن سكوته لهو أكبر دليل على أنه من اجتهاده وأنه ليس بكلام النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا لدافع عنه ولبيّن لابن مسعود أنه سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك.
5 - ابن مسعود إنما لم يلتفت إلى رواية عمّار؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يقنع بها، فله سلف في ذلك.
قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (54): "وأفادت رواية سليمان بن حرب أن عمر أيضاً كان قد أجنب فلهذا خالف اجتهاده اجتهاد عمّار".
وروى مسلم في ((صحيحه)) (55) من حديث يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، عَن شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ:
((أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً؟ فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ)).
قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: ((نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ)).
قلت: فهل هذه المسألة التي اختلف فيها عمر وعمّار مثل مسألة حذيفة مع ابن مسعود؟!
وابن مسعود إنما تبع عمر في رأيه. وعمر لم يتذكر القصة التي ذكرها عمّار فقال له ما قال، ومع ذلك لم يمنعه من التحديث به لقوله: ((نوليك ما توليت))، أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقاً في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به.
وهذه القصة حُجّةٌ على حلبي، لا حُجة له، بصرف النظر عمّن معه الحق! وهي إنما تدلّ على أن الصحابة كانوا يتحاورون فيما بينهم، ويأتون بالأحاديث المرفوعة في استدلالتهم، ولكن في قصة حذيفة لم يحاور ابن مسعود ولم يأتيه بشيء مرفوع، وسكت عندما قال له: ((لعلك أخطأت وأصابوا))!
6 - ثُمّ إن هذه القصة إنما وضّح فيها ابن مسعود سبب كراهيته لذلك، وهي تساهل الناس في ترك استعمال الماء والتيممم! وقد ذكر ابن حجر في ((فتح الباري)) أن ابن مسعود رجع عن هذه الفتوى في الموضع نفسه الذي ذكره حلبي، فقال: "وأما ابن مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار، فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفتيا بذلك كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع عنه" (56).
7 - قوله: "والحق الذي لا محيد عنه ... "! هو حقّ في نظره! لا في نظر غيره! وحلبيّ دائم الافتراء في نظائر هذا! فهو دائم القول في آرائه: "والحق، ولا حق سواه"! فالحق دائماً معه! {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} [مريم: 78]، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].
أيّ حقّ هذا الذي لا مَحيد عنه، وهو حديث لم يثبت رفعه؟!! وأي فهم آخر قيّده؟! وأي مخصص خصصه؟! ولم نجد أحداً قيّده أو خصصه؟!
8 - وأما ما يتعلق بعمل بعض السلف به! فليس بصحيح كما بينته آنفاً!
ثالثاً: الشكّ في رواية حذيفة:
قال حلبي: "الشبهة الثانية: أنه قد شك حذيفة، أو مَنْ دونه في رواية الحديث، فقال بعد ذكره المساجد الثلاثة: ... أو قال: ((مسجد جماعة))، فهذا شكٌّ، ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكٍّ!!.
فالجواب: ((معذورٌ من وقع له هذا الشك! إذ لم يقف على رواية الجماعة عن ابن عيينة به مرفوعاً دون أي شك، وهم:
1 - محمد بن الفرج، عند الإسماعيلي في ((معجمه)) (رقم: 332).
2 - محمود بن آدم المروزي، عند البيهقي والذهبي.
3 - هشام بن عمار، عند الطحاوي.
¥