ومما يؤيد هذا من سيرة الصحابة ما رواه البخاري (346)، ومسلم (368) أن شقيق بن سلمة قال: ((كنت جالساً مع عبدالله بن مسعود، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيت يا أبا عبدالرحمن لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً! كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبدالله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقول عمّار حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان يكفيك)) قال: ألم ترَ عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية {فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيباً} [المائدة: 6]؟. فما دَرَى عبدالله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرَدَ على أحدهم الماءُ أن يدعهُ ويتيمَّم! فقلت لشقيق: فإنما كره عبدالله لهذا؟ قال: نعم)).

قلت: فهل نترك الآية وحديث عمّار لفهم ابن مسعود ورأيه؟؟ لذا فقد قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (1/ 457): ((وأما ابنُ مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمّار)).

وكذا نقول هنا: لا عُذرَ لابن مسعود رضي الله عنه في عدم قبول حديث حذيفة! لكنه اجتهادٌ منه رضي الله عنه، له عليه أجرٌ واحدٌ إن شاء الله!

والحق الذي لا محيدَ عنه أن ظاهر الحديث هو الأولى بالأخذ والأحرى بالاتباع؛ ولا مجال – ألبتة – لفهمه فهماً آخر يقيِّده، أو يخصصه دونما دليل أو برهان، فقد قيل: ((الألفاظُ قوالبُ المعاني)) والمعنى في الحديث ظاهرٌ جداً في لفظه، بَيِّنٌ جداً في معناه، ومما يزيدُهُ جلاءً ووضوحاً عمل بعض السلف به كما تقدم.

فإن قيل: فلماذا سكت حذيفة عن جواب ابن مسعود؟ قلت: لأن الحجة النبوية – لا شك – قارعةٌ التوقع والاحتمال، فلم يبق – إذن – لهما مجال في ذهن حذيفة، وهو الذي حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلَّغ ما حفظه! فكيف يجيب على توقُّع هو جازمٌ بخلافه؟! فمجرّد إصراره وحرصه على رواية الحديث لأكبرُ جواب وأبلغ رد! " انتهى.

قلت: لا أدري ما الذي حَشر (حلبي) بين صحابيين كبيرين، يوجّه كلامهما! ويصحح! وينتقد! ويُعرِّض! ويعطي لأحدهما أجراً على الاجتهاد! و .. و .. ؟!

1 - المسألة ليست مسألة المفاضلة بين الصحابة في الفهم، ولا مدخل لفهم ابن مسعود فيها كما صوّرها حلبي!! وإنما هو فهمٌ لحذيفة من حديث: ((لا تشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد))، ففهم حذيفة منه أن الاعتكاف يكون في هذه المساجد الثلاثة لأفضليتها.

2 - الحديث لم يصح مرفوعاً! ولو صحّ مرفوعاً لما ناقش فيه ابن مسعود.

3 - قول حلبي: "إننا لسنا متعبدين بفهم أحد كائناً من كان، سواء أكان ابن مسعود أم غيره، إنما نحن تعبدنا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه"، صحيح في الجملة، وإن كنا نعارض سوء أدبه مع الصحابة بهذا الإطلاق!!

وهذا النص ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تلزمنا بفهم حذيفة؟! ألأنه صحيح عندك؟ وهو عند غيرك ليس بصحيح، بل هو معلول، وهو من اجتهاد حذيفة وفهمه، فلا يُلزمنا فهمه كما جزمت أنت!

قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (53): "قال عبدالله: (فلعلهم أصابوا وأخطأت) فهذا يدلّ على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أن عبدالله يخالفه، ويجوز الاعتكاف في كلّ مسجد، ولو كان ثَمَّ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه ... وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعاً بلفظ: ((لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى))، وهو مُتفقٌ عليه، ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة؛ لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرّحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف. وقد حكى في ((الفتح)) عن حذيفة: أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة، ولم يذكر هذا الحديث".

4 - ما أورده حلبي من قصة ابن مسعود مع أبي موسى لتأييد مذهبه ليس في محله!! فشتان بين قصة حذيفة مع ابن مسعود، وقصة ابن مسعود مع أبي موسى.

فقصة حذيفة مع ابن مسعود لم يثبت فيها أن الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان كذلك لدافع عنه حذيفة كما دافع أبو موسى عن حديث عمار المرفوع في الحديث الذي أورده حلبي!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015