ولو كان كذلك عند الإمام مالك، فَلِمَ لَمْ يُحدّث به في موطئه، وكم من راوٍ قد روى الموطأ حتى قريباً من موت الإمام مالك - رحمه الله – ولم نجد هذه السنة عندهم!!

8 - قوله: "لم يسمع به الناس إلا قريباً"، فيه إيهام أن هذه سنة، وكان الناس قد تركوها مع علمهم على مر العصور أنها سنة صحيحة!!

وكَمْ مِنْ حديث صححه حلبيّ وأمثاله ممن تطفَّلُوا على هذا العلم الشريف فاتهموا الناس أنهم قد تركوا السنن، وأنهم خالفوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم! سبحانك ربنا هذا بهتانٌ عظيمٌ.

9 - إيهامه أن الناس ردّوا هذا الحديث الذي صححه لمخالفته ما ألفوه! وهذا إيهام باطل مردودٌ عليه! فمن ردّه حجّتهُ أنه لم يصح عنده، لا أنه ردّه لكونه مخالفاً لما ألفه!

وانظر كيف يستغل (حلبي) إحساس الناس وحبهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أم أنهم يقبلون حديثه صلى الله عليه وسلم ولو خالف عاداتهم وما هم فيه؟ "

قلت: فكفى التلاعب بأحاسيس المسلمين، وادّعاء الوصاية على السنّة؛ فإن كلّ مسلم حقّ حريص على اقتفاء السنة المطهرة، وإذا ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم فلن تجد من يقدم عادته على السنة الصحيحة إذا بيّنت له بعلمٍ وحلمٍ.

10 - الجواب الذي أتى به للسؤال الذي طرحه من خلال قصة الشافعي ليس في محله! وهذا إما أنه يدلّ على جهل حلبي! أو أنه يُخادِع قرّائه؛ فقصة الشافعي مع هذا الرجل ليست في حديثٍ مختلف في صحته وضعفه، بخلاف حديثنا هذا!

11 - تقريره في نهاية الكلام: "فإذا كان الأمر كذلك، فلا يلتفت إلى أقاويل المتقولين، ولا إلى ترهات الزاعمين طالما أن معه السنة النبوية المشرفة! "

قلت: أين أدب أهل العلم في مناقشة غيرهم؟ وهل كان أهل العلم يقولون بأن كلام الواحد منهم هو الحقّ وكلام غيره أقاويل وترّهات؟!

والله لو كانت هذه هي السنة لما تأخر عنها ابن مسعود عندما تناقش مع حذيفة فيها كما سبق بيانه، ولله الحمد.

المسألة الثانية: الخلط في الاستدلال بالنصوص، ونسبة أشياء إلى الأئمة دون تحرير:

قال حلبيّ: "أقولُ: أما الحديث النبويّ المخصِّص للآية الكريمة فهو ما رواه البيهقي في ((سننه)) (4/ 316)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (4/ 20)، والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (15/ 81) كلّهم من طريق سفيان بن عُيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حذيفة لعبدالله [يعني: ابن مسعود]: عكوفٌ بين دارك، ودار أبي موسى لا يضرُّ!؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة))!

فقال عبدالله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا!!

قال الحافظ الذهبي بعد روايته الحديث: صحيحٌ غريبٌ عال. [قال حلبي في الحاشية: وهو في ذلك مثل الحديث الذي رواه الستة عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) فهو صحيحٌ لا مطعن في إسناده، غريبٌ لم يثبت إلا من طريق عمر بن الخطاب، وهذا الحديث يزيد عليه بأنه عال، أما ذاك فليس كذلك، إذ يرويه عددٌ من التابعين بعضهم عن بعض، بخلاف هذا الحديث].

قلت – أي حلبي -: وإسناده على شرط البخاري.

وقد عمل بعض السلف بهذا الحديث، فقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (3/ 91)، وابن حزم (5/ 194) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبيّ. [قال حلبي في الحاشية: وإن تعجب فعجب قول الإمام النووي – رحمه الله – في ((المجموع)) (6/ 483): ((وما أظن أن هذا يصح عنه))! قلت: الظنُّ لا يغني من الحقّ شيئاً، فقد صحّ، ولله الحمد. وقال أبو زرعة العراقي في ((طرح التثريب)) (4/ 171) عن أثر سعيد هذا: ((وهو بمعنى الذي قبله)). قلت: يريد أن المساجد الثلاثة هي مساجد أنبياء].

وروى عبدالرزاق في ((مصنفه)) (8019) عن عطاء بسند صحيح قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.

قلت – أي حلبي -: وهو لا يخرج عن معنى ما أوردته قبلُ، وقد قال ابن حزم (5/ 194): وقد صحَّ عن عطاء أن الجوار هو الاعتكاف.

ولقد ذكر ابن وهب – كما تقدم في الخبر عنه (ص28) – أن الإمام مالكاً – رحمه الله – قد رجع يأمرُ بتخليل الأصابع بعد أن أفتى بعدمه!! إذ لما وصله الحديث لم يلتفت لقول أحد كائناً من كان، بل سارع – بعد أن ثبت له حُسنُ الحديث – إلى الأمر بما يقتضيه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015