وهكذا نحن – ولله الحمد – كنّا نقول كما يقول كثير من أهل العلم: بجواز الاعتكاف في كل مسجد، معتمدين على عموم الآية الكريمة! حتى عرفنا هذا الحديث الصحيح، وتثبتنا من صحته، ولم نر شيئاً يعارضه فصرنا نفتي بما يقتضيه الحديث، ويمليه علينا الاقتداء بأئمة السنة، وعلماء السلف". انتهى كلامه.
قلت:
1 - تخصيص حلبي الآية بالحديث كان يتجه لو كان الحديث صحيحاً! أما وأهل العلم يضعفونه فكيف يخصص الضعيف الآية؟!
2 - احتج حلبي بحكم الذهبي على الحديث المرفوع بأنه صحيح غريب عال، وشبهه بحديث الأعمال بالنيات! وهذا منه مُستنكرٌ عجيبٌ! فحديث الاعتكاف إن سَلِم له تصحيح الذهبي له، فإن غير الذهبي يخالفه في حكمه، وسيتبيّن لنا لم حكم عليه الذهبي بهذا فيما بعد إن شاء الله تعالى، وأما حديث النيات فلا مخالف في تصحيحه. وقول الذهبي بأنه: "عال"، لا مدخل له في الحكم على الحديث، وإنما يعني أنه وقع له بعلو فقط، وهذا العلو كان يتطلبه أهل العلم المتأخرين.
3 - كيف يكون على شرط الإمام البخاري، وهو مختلفٌ في إسناده؟! بل إن البخاري لا يرى صحة هذا الحديث كما سيأتي بيانه، ثم أيّ إسناد من هذه الأسانيد هو الذي على شرط البخاري؟
4 - قوله بأن بعض السلف عملوا بهذا الحديث فيه نظر؛ لأن من ذكرهم من السلف – وهم اثنان فقط: سعيد بن المسيب وعطاء، وهو تبع في هذا للشيخ الألباني كما تقدم نقل كلامه (41)، بل إنه سرق معظم كلامه من الصحيحة (2786) ولم ينبه على ذلك ولا أحال عليه! – لم يأت أنهم عملوا بهذا الحديث، وظاهر ما نقل عنهم أنه ذلك اجتهاد منهما، ويؤكد هذا أن عطاءاً لم يذكر مسجد بيت المقدس، فكيف يقول بأن بعض السلف عمل بهذا الحديث؟!
5 - مساواته لرواية ابن أبي شيبة وابن حزم لا تصح! – وإنما هذا هو كلام الشيخ الألباني في الصحيحة فسرقه ووقع في الخطأ (42) - لأن هناك خلاف في كلا الروايتين! ثم إن ابن حزم لم يرو هذه الرواية حتى يقول حلبي: "فقد روى ... وابن حزم .. "! وإنما ابن حزم قال: "كما روينا من طريق عبدالرزاق ... "، والرواية عند عبدالرزاق في ((مصنفه)) (43) عن معمر، عن قتادة - أحسبه عن ابن المسيب، قال: "لا اعتكاف إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم".
وكان ينبغي لحلبي – لو كان يُحكم صنعة هذا الفنّ – أن يرجع إلى مصنف عبدالرزاق، لا أن ينسب الرواية إلى ابن حزم!!
ثُم إن ابن حزم قال بعد أن ذكر رواية عبدالرزاق وما فيها من شك: "إن لم يكن قول سعيد فهو قول قتادة لا شك في أحدهما".
وعلى هذا فيحتمل أن يكون هذا قولاً لقتادة!
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (44) عن أبي داود الطيالسي عن همام عن قتادة عن ابن المسيب قال: "لا اعتكاف إلا في مسجد نبيّ".
وهذا اختلاف في المتن لم يذكره حلبي؛ فرواية معمر ذكرت فقط مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم، بينما رواية همام أدخلت كلّ مساجد الأنبياء!!
هذا وقد رجّح الحافظ ابن حجر رواية مَعمر، فقال - وهو يتحدّث عن موضع الاعتكاف: "وخصّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة" (45).
قلت: إنَّ قول ابن حجر: "وخصه حذيفة" يعني ترجيحه لحديث حذيفة الموقوف على الموصول، فليعلم حلبي ذلك.
6 - وأمَّا ما نسبه إلى عطاء فلا يعدو كونه رأياً له، وقد كان له رأي موافق لجمهور أهل العلم، ثم غيّره، وما مِنْ علاقة له بحديث حذيفة.
روى عبدالرزاق في ((مصنفه)) (46) عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: "لا جِوار إلا في مسجد جامع". ثم قال: "لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة".
قالَ ابنُ جُريجٍ: وقالَ عَمرو بنُ دِينارٍ: "ما أراه أن يجاور في مسجد الكوفة والبصرة".
ثُمَّ روى عبدُالرزاق عن ابنِ جُريج قال: قلتُ لعطاء: أَرأيت لو أن إِنساناً من أهل هذه المياه نذر جِواراً سميت له الظَّهْرَان وعُسْفَان في مسجدهم؟ قال: "يقضيه إذا جعله عليه في ذلك المسجد". قلت: نذر جواراً في مسجد مِنى؟ قال: "فليجاور فيه، فإن له شأناً". قلت: أيجعل بناءه ثَمَّ بمنى في الدار؟ قال: "لا، من أجل عتب الباب". قلت: ففي مسجدنا إذاً مثل ذلك؟ قال: "لا، إنما ذلك العتب للدار، وليس كهيئة مسجدنا هذا". ثم قال بعد: "لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة". قال: "وإن أهل البصرة ليجاورون في مسجدهم حتى أن أحدهم ليجاور مسجده في بيته".
¥