وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد عن المستورد".
وبهذا يتبيّن لنا أن ابن أخي ابن وهب خلط فيه، وزاد في إسناده: الليث بن سعد وعمرو بن الحارث! وزاد عليه هذه القصة الباطلة عن الإمام مالك!
وابن أخي ابن وهب متكلّم فيه، وكان قد اختلط وكان يُدخَل عليه (35).
قال النسائيُّ: "أحمد بن عبدالرحمن بن أخي ابن وهب: كذاب" (36).
وقال ابن حِبَّان: "وكان يحدِّث بالأشياء المستقيمة قديماً حيث كتب عنه ابن خزيمة وذووه، ثم جعل يأتي عن عمّه بما لا أصل له، كأن الأرض أخرجت له أفلاذ كبدها" (37).
وقال ابنُ عَدي: "رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مُجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء غير أهل بلده لا يمتنعون من الرواية عنه، وحدّثوا عنه، منهم: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم فمن دونهما" (38).
قلت: له مناكير عن عمّه، ومنها أشياء تفرد بها، وأشياء خالف فيها غيره، فلا يُعتمد أبداً. ولم يصل إلى درجة أنه يتعمد الكذب، وكأن النسائي لما رأى ما يحدّث به من منكرات مخالفاً لغيره أطلق عليه هذا الوصف.
قال أبو سعيد ابن يُونُس: "ولا تقوم بحديثه حُجة" (39).
قلت: وابن يونس هو المعتمد في أهل مصر.
وعموماً فهذه القصة باطلة، ولا تصح نسبتها إلى الإمام مالك، ولهذا أخرجها الإمام الدارقطني في ((غرائب مالك))، وهو كتاب جمع فيه الدارقطني ما رُوي عن الإمام مالك ولا يصح عنه في مُجمله.
وأما قول ابن حجر في ((التلخيص)) (40): "وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث، أخرجه البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان"، فهو مما لم يحرره ابن حجر، ومشى فيه على ظاهر الإسناد تبعاً لابن القطان الفاسي!
5 - تشبيهه هذه القصة بحديث الاعتكاف الذي صححه لا يستقيم بعد أن عرفنا عدم صحتها.
فقوله: "ليس الناس على ذلك"؛ لأن هذا هو الصواب، لا أن الناس لا يعرفون هذه السنة، ولو صحت قصة ابن وهب مع مالك ما أظنه يذهب إلى هذا الحديث ويترك عمل أهل المدينة الذين لا يعرفون هذا الحديث، ونحن نعلم ارتكاز الإمام مالك على عمل أهل المدينة في مسائل الفقه.
ولعل مُتوهماً يتوهم أن الإمام مالك يردّ السنّة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإمام مالكاً له منهجه الخاص في هذه المسائل، وهو اتباع عمل أهل المدينة، وقد وهم ابن أبي حاتم في ترجمته لهذه القصة بقوله: (باب ما ذكر من اتباع مالك لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوعه عن فتواه عندما حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه)!
فالإمام مالك من أشد الناس اتباعاً لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أهل المدينة عنده هو اتباع هذه الآثار، فلا تصلح هذه القصة لهذه الترجمة؛ بل إن هذه الترجمة لا ينبغي أن تذكر؛ لأنّ كلّ فتاوى الإمام رحمه الله اتباع للآثار كما ذكرت.
6 - قوله: "عندنا في ذلك سنة"! أيّ سنة هذه التي كانت غائبة إلى أن جاء (حلبي) فدلّ الناس عليها؟!
وما أشبه فعله هذا بقوله لدى ردّه على الدكتور سلمان العودة لكونهِ أثنى على كتاب سيّد قطب – رحمه الله - ((في ظلال القرآن)).
قال حلبي في كُتيبه ((حقّ كلمة الإمام الألباني في سيّد قطب)) (ص6) شاتماً الدكتورَ العودة: "أقول: فهل يعي الدكتور سلمان (!) مال هذا الهذيان؟! وهل (لم يشعر قرّاء القرآن – طيلة هذه الدّهور – بأن القرآن ليس كتاباً نزل لبيئة خاصة في المكان والزمان) إلا بعد سيد قطب، و ((ظلاله))؟! وما حكم الشرع الحكيم فيمن لم يعتقد (هداية القرآن للناس أجمعين؛ أياً كان زمانهم، أو مكانهم) – ولو حيناً من الدهر! -؟! أمِنْ أجل (سيّد قطب)، والدفاع الحزبي – أو الفكري! - عنه: نهدر جهود الأمة – عبر القرون – في صيانة كتاب الله؟! وتعريفهم بهديه وهداه؟! " انتهى كلامه.
7 - قوله: "الحديث فيها حسن؛ بل صحيح"! اغتر فيه بما جاء منسوباً إلى الإمام مالك: "إن هذا الحديث حسن"!! فنسأل (حلبي): ما معنى: الحديث حسن؟ وهل هو حكمٌ على الحديث من الإمام مالك؟ وهل كان من عادة الأئمة في عصر الإمام مالك أن يقولوا عن بعض الأحاديث: هو حديث حسن؟
أقول: إن نسبة هذا الكلام لمالك لهو دليل على بطلان القصة؛ لأنهم لم يكونوا يقولون مثل هذا الكلام في هذه الأحاديث!
¥