فليس من شكٍّ أبداً أن كلّ منصف طالب حقٍّ إذا وقف على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عنده، ولم يعارض بشيء ثابت، يجب عليه وجوباً أكيداً أن يأخذ به، ولو قال عنه الناس مهما قالوا!! فهل هو معاملته مع الناس؟؟ أم مع ربِّ الناس سبحانه؟؟

فإذا كان الأمر كذلك، فلا يلتفت إلى أقاويل المتقوّلين، ولا إلى تُرَّهات الزاعمين طالما أن معه السنة النبوية المشرفة! ". انتهى.

قلتُ: هذه طريقةٌ سقيمةٌ قائمة على المغالطات الفاسدة، والجهل بعلم الحديث، وتفصيل ذلك في الآتي:

1 - لا يجوز نقل كلام الأئمة ثم التعريض بهم! وكأنهم لا يعرفون أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف القرآن!

فـ (حلبي) نقل كلام ابن رشد والنووي والجصاص، ثم أتى بكلام الشافعي النفيس ولكنه لا يصلح في هذا المقام، وهذه طريقة خبيثة منه يحاول فيها الالتفاف على القارئ لإقناعه أن كلامه هو الصواب!!!، فإذا ما قرأ القارئ كلام الشافعي سلّم له وأذعن لرأي حلبيّ، ولكن السؤال هو: هل ينفع الاستدلال بكلام الشافعي في هذا المقام؟! والجواب واضحٌ وبيّن.

ثُم إن هؤلاء الأئمة إذا ثبتت السنة عنه صلى الله عليه وسلم لا يتأخرون عن الأخذ بها، إلا إذا كان هناك سبب متجه عندهم، وكم من حديث صحيح رواه الأئمة ولم يعملوا به، وليس هذا مقام تفصيله، بل محلّه كتب الأصوليين والمذاهب.

2 - دعواه بأن حلّ النّزاع بين المختلفين في هذه المسألة هو هذا الحديث الذي صححه، وتصريحه بأنهم لم يقفوا عليه، فيه تناقض عجيب!! فكيف يكون هناك نزاعٌ بينهم وهم لم يقفوا على هذا الحديث؟! وأصل النّزاع هو هذا الحديث، وهم يعرفونه قطعاً بخلاف ما ادّعاه حلبيّ، ولكنهم ضعّفوه.

3 - استدلاله بكلام الشافعي في أن هؤلاء الأئمة فاتتهم هذه السنة لا يصلح هنا؛ لأنهم لم يعدوها سنّة؛ ولم تصح عندهم، والحديث عندهم، ولكنهم لا يعدونه صحيحاً، كما تقدّم آنفاً.

4 - المنهج العملي للأئمة سليمٌ، ولا غبار عليه، ولكن الاستدلال بما روي عن ابن وهب مع الإمام مالك لا يصح؛ وكان يتجه الاستدلال به على المنهج لو صح! أما وقد ثبت عدم صحته فلا يجوز الاستدلال به في هذا المقام.

وقد دلّس حلبيّ ولبّس بجزمه في هذه القصة أنها حدثت مع ابن وهب فنسبها له، ولم يذكر إسنادها مُسلِّماً بها وملبّساً على طلبة العلم!

وهذه القصة من رواية أحمد بن عبدالرَّحمن ابن أخي ابن وهب عن عمّه، وقد تفرد بها! والحديث لم يروه الليث ولا عمرو بن الحارث! وهو محفوظ من حديث ابن لهيعة، ولهذا قال الترمذي بعد أن رواه من حديث ابن لهيعة: "لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".

وقد رواهُ الإمام أحمد في ((مسنده)) (27) عن مُوسَى بنِ دَاوُدَ.

ورواهُ أبو داود في ((السنن)) (28) والترمذي في ((الجامع)) (29) كلاهما عن قُتَيْبَةَ بنِ سَعِيدٍ.

ورواهُ ابن ماجه في ((السنن)) (30) عن مُحَمَّدِ بنِ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيِّ عن مُحَمَّدِ بنِ حِمْيَرٍ.

ورواهُ البزَّارُ في ((مسنده)) (31) عن محمد بن يحيى القطعي عن بِشر بن عمر.

ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (32) قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُوسَى، قال: حدَّثنا أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، [ح] وَحَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بن دَاوُدَ، قال: حدثنا أَسَدُ ابن مُوسَى.

كلّهم (موسى وقتيبة ومحمد بن حمير وبشر بن عمر والمقرئ وأسد) عن عبدِالله بنِ لَهِيعَةَ، قالَ: حدَّثنا يَزِيدُ بن عَمْرٍو الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ)).

بل إن المحفوظ من رواية ابن وهب عن ابن لهيعة فقط.

رواهُ الطَّحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) (33) عن ابن أبي عقيل، ورواهُ البيهقي في ((السنن الكبرى)) (34) من طريق محمَّد بن عبدِالله بن عبدِالحكم وبَحر ابن نصر، ثلاثتهم عن ابن وهبٍ، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا عبدالرحمن الحبلي يقول: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه)).

قال أبو عيسى الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015