قلت: أما في حديث ابن عيينة فإنه بالشك دون خلاف، وما ذُكر في رواية عبدالرزاق في المطبوع بواو العطف فلا يصح، وكأنه من النُّسخ أو من الطباعة، والصواب أنه بالشك كما في رواية الآخرين.

وهذا الشك إنما هو من سفيان أيضاً، ولا يمكن أن نقول بأن ابن مسعود قاله؛ لأنه لا يتجه لُغوياً، وهو إنما قال عبارة واحدة فقط.

والذي أرجّحه أنه قال: ((لعلك أخطأت وأصابوا))، ويؤيده ما عند واصل وعبدالملك عن إبراهيم حيث إنهما ذكرا هذه العبارة فقط دون الشك.

وما جاء في رواية مغيرة عند إبراهيم يؤيد ما عند ابن عيينة، ولكن رواية اثنين من الثقات الملازمين لإبراهيم تقضي على هذه الرواية.

وعبارة: ((لعلك أخطأت وأصابوا)) تتوافق مع اجتهاد حذيفة في هذه المسألة، وليس كذلك عبارة: ((لعلك نسيت وحفظوا))؛ لأن هذه الأخيرة تتوافق مع المرفوع من الحديث، ومن هنا جاء شك ابن عيينة فيه، فلو كان الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ لا مجال للخطأ والإصابة فيه، وإنما هو الحفظ أو النسيان، والاجتهاد لا مجال فيه للحفظ والنسيان، وإنما هو الإصابة أو الخطأ، والله أعلم.

المطلب الثالث: مناقشة (عليّ حلبيّ) في تعليقه على هذا الحديث:

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: المغالطات الفاسدة، وبيان نكارة قصة منسوبة للإمام مالك:

نقل (حلبي) مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، وذكر قول الجصاص في ((أحكام القرآن)): "وظاهر قوله {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها، فعليه بإقامة الدلالة. وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه. كما أن تخصيص من خصَّه بمساجد الأنبياء لما لم يكن عليه دليلٌ سقط اعتباره"!! إلى أن قال: " .. فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصها".

قال الحلبي (ص29) معقباً على هذا: "قلت: رحم الله الإمام الشافعي القائل: ((وليس يُخالف الحديثُ القرآن، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبين ما أراد: خاصاً وعاماً، وناسخاً ومنسوخاً، ثم يلزم الناس ما سُنَّ بفرض الله، فمَنْ قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قَبِلَ)).

ولقد وَرَدَ – ولله الحمد والمنة – حديثٌ نبويٌّ مرفوع صحيحٌ يخصص الآية المذكورة، ويحلُّ النّزاع الذي أوردناه بين أهل العلم لعدم وقوفهم على حديث يخصص الآية كما قالوا!

ولقد قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: ((ما من أحد إلا وتذهب عليه سنةٌ لرسول الله وتعزُب عنه، فمهما قلت من قول: أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقولُ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي)).

وهذا هو المنهج العملي لسائر الأئمة – رحمهم الله -؛ فقد قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك عليه الناس، قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة! فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليثُ بن سعدٍ، وابنُ لَهيعة، وعَمرو بن الحارث، عن يَزيد بن عَمرو المعافري، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ القرشيّ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْلُكُ بِخِنْصَرِهِ ما بينَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ)). فقال: إنّ هذا الحديث حسنٌ، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يُسألُ، فيأمر بتخليل الأصابع.

قلتُ: وهكذا الأمر عندنا اليوم في مسألة الموضع الذي يجوز فيه الاعتكاف:

أ- ليس الناس على ذلك!.

ب- عندنا في ذلك سنّة!.

ج- الحديث فيها حسنٌ بل صحيحٌ!.

د- لم يسمع به الناسُ، إلا قريباً!.

فهل هذا يجعلهم يردّون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمخالفته ما ألفوه، أم أنهم يقبلون حديثه صلى الله عليه وسلم ولو خالف عاداتهم وما هم فيه؟؟

نأخذ الجوابَ من سيرة العلماء وسلوكهم، فقد روى الإمام الشافعي – رحمه الله– يوماً حديثاً، وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به، يا أبا عبدالله؟ فاضطرب الشافعيّ وقال: يا هذا! أرأيتني خارجاً من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زناراً؟ أروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا آخذ به!!؟

وفي رواية أخرى قال: متى ما رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015