قُلتُ: إِنَّ مثله لا يُقبل تفرده عن هشام بن عمار، وما أظنّ هشاماً حدّث به! ولو صحّت روايته له، فهو فيه كلام أيضاً، وكان قد تغيّر، وكلّ ما دُفع إليه قرأه، وكلّ ما لُقِّن تلقّن، وحديثه القديم أصح؛ حيث كان يقرأ من كتابه كما قال أبو حاتم الرازي (10).
وبهذا يتحصّل لنا ثلاثة من الرواة الثقات (محمد بن الفرج ومحمود بن آدم المروزي وسعيد بن منصور) رفعوه، مقابل ثلاثة أيضاً من الثقات (عبدالرزاق وسعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني) وقفوه.
وقد ذهب الشيخ سليمان العلوان إلى تضعيف رواية محمد بن الفرج؛ لأن الراوي عنه: العبّاس بن أحمد الوشّاء، وهو رجلٌ صالحٌ، وكان من الدارسين للقرآن (11)، وقال إِن كلام الخطيب هذا يرفع عنه جهالة العين فقط، ولا ترفع عنه جهالة الحال.
قلت: وهذا فيه نَظرٌ! فهو صدوقٌ إن شاء الله، ولحديثه أَصلٌ صحيحٌ.
وأما رواية محمود بن آدم المروزي فرواها عنه: محمد بن حمدويه وهو ثقة، وكان آخر من روى عنه. ومن أجل هذا صحح روايته الذهبي.
وقد قال الشيخ العلوان إِن البخاري لم يخرج لمحمود بن آدم، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فمالَ إلى تضعيف روايته!
قلت: وهذا مردود؛ فالبخاري لم يُخرِّج له؛ لأنه من أقرانه فلم يَحْتَجْ إلى حديثه، وهو ثقة ثبت، ولم يتفرد ابن حبان بتوثيقه، بل قال ابن أبي حاتم: "وكان ثقة صدوقاً" (12).
وأما رواية سعيد بن منصور فقد ردّها ابنُ حَزْمٍ، فقال: "قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشك، ولو أنه عليه السلام قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شكاً، فصح يقيناً أنه عليه السلام لم يقله قط" (13).
قلت: ليس هكذا تُرد الأحاديث! والشك ليس من حذيفة، وإنما هو إما من سعيد بن منصور، أو من شيخه سفيان.
وسعيد بن منصور من الثقات الأثبات، وهو رَاوية سفيان بن عُيينة، وهو متابعٌ جيّد لروايتي محمد بن الفرج ومحمود بن آدم! وتوهيمُهُ في هذا الحديث مدفوع، وإن قال يعقوب الفسوي في سعيد: "كان إذا رأى في كتابه خطأ لم يرجع عنه" (14).
قلت: قال الحافظُ ابن حجر: "ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به" (15)، فجعل عدم رجوعه عما في كتابه؛ لأنه يثق بما فيه.
وعليه، فإن هؤلاء الستة الثقات اختلفوا على ابن عيينة، فنصفهم رفعه، ونصفهم وقفه، وهذا يعني أن سفيان بن عيينة هو الذي حدّث به هكذا وهكذا.
قال ابنُ حَجر: "أورد أبو سعدٍ ابن السمعاني في ترجمة (إسماعيل بن أبي صالح المؤذن) من ((ذيل تاريخ بغداد)) بسندٍ له قويّ إلى عبدالرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث وتحدّث اليوم وتزيد في إسناده أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سَمِنتُ. وقد ذكرَ أبو مُعِين الرَّازي في زيادة كتاب الإيمان لأحمد: أنَّ هارون ابن مَعروف قال له: إنَّ ابنَ عيينةَ تغير أمره بآخره" (16).
قلت: فالزيادة والنقصان في الإسناد هو ما حَدَّثَ هنا من رفع الموقوف، فكان سفيان يَقفه أحياناً، ويرفعه أحياناً.
فإذا ثبت ذلك فإما أن نتوقف في حديثه هذا ونردّه، وإما أن نأتي بمرجِّح خارجيّ. والذي أراه صواباً هو الموقوف؛ لقرائن:
1 - أنّ الذين رووا الوقف عنه ممن سمع منه قديماً، وهو نفسه قال: "عليك بالسماع الأول"، كما سبق نقله.
فعبدالرزاق (126 - 211هـ) ممن سمع من ابن عُيينة قديماً. وقد حدَّثَ ابن عُيينة عنه (17).
ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني الحافظ كان أحمد يُوصي بالكتابة عنه، وقال محمد بن يحيى: "اختلفت إلى ابن عيينة ثمانية عشر سنة"، وقال: "حَججت سبعين حجة ماشياً" (18).
وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي ثقة، وقد قال مَسلمة بن القاسم الأندلسيُّ القرطبيُّ في ((كتاب الصلة)) (19): "سعيد بن عبدالرحمن بن سعيد بن حسان ... أخبرنا عنه غير واحد، وهو ثقةٌ في ابن عيينة" (20).
2 - ما رواهُ ابنُ أبي شَيبةَ في ((مصنفه)) (21) عن وكيع.
وعبدُالرَّزَّاق في ((مصنفه)) (22).
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (23) مِن طريق أبي نُعيمٍ.
¥