قلت: فهذا يدل على انتشار الأحاديث المرسلة في زمن مبكر، وكان من بين هذه الأحاديث ما لا يصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما حدا بابن عباس –رضي الله عنها- أن ينبه إلى إسناد هذه الأحاديث وعدم إرسالها؛ لانتشار الكذب وغيره، فابن عباس رفض أن يسمع لهذا التابعي لإرساله الحديث.

قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص58): "فهذا ابن عباس رضي الله عنهما لم يقبل مراسيل بشير بن كعب، وهو من ثقات التابعين الجلة الذين لم يتكلم فيهم أحد".

قلت: وقد أحسن الإمام مسلم في وضع هذه الحكاية تحت عنوان: ((باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها)).

3 - روى الطبري في ((تفسيره)) أيضاً (4/ 301) عن محمد بن بشار قال: حدثنا عبدالأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر مثله.

ورواه إسحاق بن راهوية في ((مسنده)) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (2/ 154) عن طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبادة.

قلت: وهذا مرسلٌ أيضاً. فقتادة لم يسمع من عبادة، وهو مدلس، والعلاء الذي روى الحديث السابق يروي عن عبادة مرسل أيضاً.

وهذا الإسناد الذي ذكره ابن راهوية والقضاعي هو الإسناد نفسه للحديث السابق، فأخشى أن يكون معاذ بن هشام قد دخل له إسناد في إسناد؛ وهو صدوق وكان يغلط في الشيء بعد الشيء! وعلى كلّ حال فيبقى الحديث مرسلاً.

4 - قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، قال: حدثنا عمران ابن عبدالرحيم، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)) (ذكره ابن كثير في التفسير: 1/ 465).

ورواه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (3/ 124) عن أبي صالح بن المهلب، عن الحسن بن عبدالرحمن، عن عثمان بن الهيثم، به.

قلت: هذا حديث معلول، أخطأ فيه عثمان بن الهيثم وسلك فيه الجادة عن عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، فهذا الإسناد مشهور معروف وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن عثمان بهذا الإسناد عدة أحاديث.

وقد خالفه محمد بن أبي عدي وأبو خالد الأحمر، فروياه عن عوف عن الحسن مرسلاً –كما سبق ذكره- وهو المحفوظ.

قال الدارقطني: "عثمان صدوق كثير الخطأ".

وقال الساجي: "ذكر عند أحمد فأومأ إليه أنه ليس بثبت، ولم يحدث عنه".

وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (6/ 172) في ترجمة ((عثمان بن الهيثم)): "روى عنه أبي وسألته عنه؟ فقال: كان صدوقاً، غير أنه بأخرة كان يتلقن ما لقن".

قلت: فيحتمل أن بعضهم لقنه هذا الإسناد.

وقال ابن حجر في ((التقريب)) (ص387): "ثقة تغير فصار يتلقن".

قلت: أخرج له البخاري بعض ما صح من حديثه. قال ابن حجر في ((هدي الساري)) (ص424): "له في البخاري حديث أبي هريرة في فضل آية الكرسي، ذكره في مواضع عنه مطولاً ومختصراً، وروى له حديثاً آخر عن محمد، وهو الذهلي عنه عن ابن جريج، وآخر في العلم صرح بسماعه منه، وهو متابعة".

هذا وقد تكلم محقق كتاب ((طبقات المحدثين بأصبهان)) عبدالغفور البلوشي على هذا الحديث فلم يحسن الكلام عليه، والله المستعان.

وقد قال الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد أثناء تحقيقهما لمسند أحمد وهما يتكلمان على حديث رقم (21522) فضعفاه، قالا: "ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله بل توبة العبد ما لم يغرغر)) "، ثُم ذكرا حديث ابن عمر وعبادة وبشير بن كعب، ثم قالا: "ولا يخلو إسناد واحد منها من مقال، لكن بمجموع طرقها يحسن الحديث باللفظ المذكور".

قلت: أنّى ذلك!! فهذه الطرق واهية، ولا تقوي بعضها البعض، والحديث الذي ضعفاه حديث حسن، ويغني عما قالا إن هذا الحديث يغني عنه كما بينته في موضع آخر، ولله الحمد والمنة.

فائدة:

سُئِل الدّارقطني في ((العلل)) (13/ 150) عن حديث جُبير بن نُفير، عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليقبل توبة عبده ما لم يغرغر))؟

فقال: "يرويه [عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان. واختلف عنه]: فرواه موسى بن [داود، عن عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول]، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر.

والصحيح: عن عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول.

كذلك رواه علي بن الجعد وغيره".

قلت: هكذا في العلل، وما بين المعقوفات بياض في الأصل كما ذكر المحقق، وأشار إلى هذا من كتاب ((المختارة)) (13/ 152)، وقال بأنه سقط منه: "عن أبيه"، وهو في المخطوط (ق/132/ب).

والذي في مطبوع المختارة: "قال الدارقطني: روي عن موسى بن داود عن عبدالرحمن ابن ثابت بن ثوبان عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر. والصحيح: عبدالرحمن ابن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول. كذلك رواه علي بن الجعد وغيره".

قلت: لا شك أن هناك خلل في كلا النّصين! فالدارقطني أراد أن يبيّن الاختلاف على عبدالرحمن بن ثابت، وهو غثر واضح من هذين النصين!

ثُمّ إن موسى بن داود (ت216 أو 217هـ)، لا يروي عن عبدالرحمن (ت165هـ)، وبينهما واسطة، وهو: الهيثم بن جميل الأنطاكي، وهذا الذي أراد الدارقطني بيانه.

وقد رواى ابن عساكر في ((تاريخه)) (11/ 114) من طريق الهيثم بن جميل عن ابن ثوبان، عن مكحول، عن عبدالرحمن بن جبير، عن ابن عمر، مرفوعاً، فذكره.

قال ابن عساكر: "كذا جاء في هذه الرواية، وإنما يرويه مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر".

قلت: فالظاهر أن الدارقطني أراد أن يبيّن مخالفة الهيثم بن جميل لغيره ممن رووه عن ابن ثوبان، ولهذا صحح رواية الجماعة.

وتصحيحه لهذا الإسناد لا يعني أنه يصحح الحديث – كما توهمه بعض الجهلة النكرات ممن قرأت لهم على بعض المنتديات!!

فمنهج الدارقطني معروف في أنه يبين الاختلاف في الأسانيد على الرواة، ثم يرجح الأسانيد الصحيحة من تلك الاختلافات على الراوي أو الاختلافات من الرواة على شيخهم، وأما تصحيح الحديث أو عدمه، فذلك أمرٌ آخر.

والحمد لله أولاً وآخراً.

وكتب خالد الحايك.

7/ 5/1429هـ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015