قلت: فهذه متابعة لجعفر، ولم يذكر أسباط فيها سماع عبدالرحمن من الصحابي، وهذا أشبه، وكأن هشام بن سعد كان يضطرب في هذه الرواية، وحديثه فيه لين، وقد ضعفه بعض الأئمة، فحديثه يكتب ولا يحتج به. وقد خالفه محمد بن مطرف أبو غسّان المدني الثقة الثبت.

رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (3/ 425) عن حسين بن محمد المروذي، عن محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبدالرحمن بن البيلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، الحديث.

قلت: فتبيّن بهذا أن الحديث مرسل. وقد ضعّف الأئمة عبدالرحمن بن البيلماني، وقد أنكر صالح جزرة أن يكون سمع من أحد من الصحابة إلا سرق. وقد تتبعت بعض أحاديثه فما رأيت فيها إلا منكرات مرسلة، فكأنه كان لا يبالي عمّن أخذ.

قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (5/ 216): "عبدالرحمن بن البيلماني مولى عمر. سمع من ابن عمر. روى عنه سماك بن الفضل وزيد بن أسلم. سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه؟ فقال: هو لين".

وقال صالح جزرة: "حديثه منكر! ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سرق". قال ابن حجر معقباً: "قلت: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمّين أولاً مرسلاً عند صالح" (تهذيب التهذيب: 6/ 135).

قلت: ذكروا أنه روى عن ابن عباس وابن عمر وعبدالله بن عمرو ومعاوية وعمرو بن أوس وعمرو بن عبسة وسرق، فعلى كلام صالح جزرة فتكون روايته عن هؤلاء مرسلة إلا روايته عن سرق، وهذا الذي أميل إليه.

وقال الدارقطني: "ضعيفٌ لا تقوم به حجة". وقال الأزدي: "منكر الحديث يروي عن ابن عمر بواطيل".

قلت: نعم، كثير مما يرويه فيه نكارة، ولكن حديثه عن ابن عمر إنما جاءت النكارة فيه من ابنه محمد. قال ابن حبان في كتاب ((المجروحين)) (2/ 265): "كان ممن أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها، حدث عن أبيه بنسخة شبيهاً بمئتي حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره في الكتب إلا على جهة التعجب". ثُم ساق له من هذه النسخة عن أبيه عن ابن عمر (12) حديثاً، كلها موضوعة.

وقد ذكر ابن حبان عبدالرحمن في ((الثقات)) (5/ 91) فقال: "عبدالرحمن بن البيلماني مولى عمر بن الخطاب، يروي عن ابن عمر. روى عنه زيد بن أسلم وسماك بن الفضل. وهو عبدالرحمن البيلماني من الأبناء، وكان ينزل بحران. مات في أول ولاية الوليد بن عبدالملك. لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه محمد بن عبدالرحمن يضع على أبيه العجائب".

قلت: إذا كانت العهدة في ما يرويه ابنه عنه على ابنه محمد، فعلى من العهدة فيما يرويه غير ابنه عنه، فإن ما يرويه غير ابنه عنه مناكير أيضاً، والأئمة على تضعيفه؛ وكما ذكرت كأنه كان لا يبالي عمن أخذ الحديث، فكان يروي المناكير، وكأن هذه المناكير أخذها من الضعفاء من أهل حرّان عندما نزلها، لأنها غير معروفة عند أهل المدينة، وهم أهل الحديث في ذلك الزمان، والله أعلم.

قال ابن حجر في ((التقريب)) (ص337): "عبدالرحمن بن البيلماني مولى عمر، مدني نزل حرّان. ضعيف".

2 - روى الطبري في ((تفسيره)) (4/ 301) عن محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشير بن كعب: أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)).

قلت: إن صحت هذه الرواية عن قتادة فتدلّ على أنه لم يدلسه؛ لأن قتادة يروي عن العلاء وعن بُشير، وبُشير بن كعب تابعي بصري ثقة، وقد أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مرسل، وكأن هذا الحديث كان منتشراً بالبصرة، ولكن لم يسنده أحد، فيبقى ضعيفاً بسبب الإرسال.

وقد روى الإمام مسلم في ((مقدمة صحيحه)) (1/ 13) بإسناد صحيح إلى مجاهد قال: جاء بُشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدّث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركِب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015