وليس المرسل كلُّه على درجةٍ واحدة؛ لكنه في النهاية مرسل -كما استقرَّ عند المحققين من أهل العلم بالحديث، بل ليس مرسل الرجل الواحد شيئًا واحدًا لا يتفاوت، بل منه ما عُرِفَ مخرجُه، وقربَ عهدُه، وصحَّ مستندُه، وسار ذكرُه - كالحديث الذي بين أيدينا - ومنه دون ذلك.

ولم يكن الحسن يُسند حديثَه في كثيرٍ من الأحيان، كما هي عادة بعض أهل هذه الطبقة؛ إذ لم يكن الإسناد لازمًا في كلِّ ما حُدِّثَ به كما صار الشأن بعد هذا؛ فلذا اضطرب الناسُ فيه واختلفوا في مواضع منه، وقد قال أبو المليح – فيما رواه عبد الله بن أحمد في "العلل" (3063): "سمعت صالحَ بن مسمار، وحدثني حديثًا عن الحسن فرفعه إلى أنس، وحدثني حديثًا عن الحسن، فقلتُ له: أَسْنِدْه، فقال: ما كان يُسْنِد، ربما سمعتُه يقول: حَدَّثَ نبييُّكم عن ربكم عز وجل". الحسن عاش بين الصحابة رضي الله عنهم ورآهم لا يسندون وإنما يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل مثلهم وقلدهم ولم يجد حرجا في هذا، فقد تلقى هذا طفلا وشبَّ عليه فلم يتركه ولم يدر في ذهنه مسألة الإسناد هذه

وكان يقول أحيانًا: حدثنا فلان، وإنما يعني حدَّثَ الناس، وحدَّثَ أهلَ البصرة. يقول ابن المديني – كما في "جامع التحصيل" للعلائي ص163 - فيما ورد من رواية الحسن عن سراقة بن مالك: "هو إسنادٌ ينبوعه القلب؛ أنْ يكون الحسنُ سمع مِنْ سراقة، إلا إنْ عنى حدَّثهم: حدَّثَ الناس؛ فهذا أَشْبَه". وقال أيضًا – كما في "المراسيل لابن أبي حاتم (97) في قول الحسن "خَطَبنا ابنُ عباسٍ بالبصرة: "إنما هو كقولِ ثابت: قَدِمَ علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: قدم علينا عليّ، وكقولِ الحسن: إنَّ سراقة بن مالك بن جعشم حدَّثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع بن مسعود".

فعلى هذا قد يُحمَلُ قول الحسن: "سمعت أبا بكرة قال" حدثني وحدثنا وخطبنا وسمعنا كلها محتملة للتأويل لكن سمعت بالإفراد لا تحتمل سوى السماع الحقيقي للشخص بنفسه من الشخص المسموع منه ولا تأويل لها فإما السماع فعلا أو الاتهام وهذا منتف في حق الحسن رحمه الله وإنما سمع أبا بكرة فعلا – إنْ صحَّ عنه – علىالمحملِ نفسه، فيكون كقوله، سمعتُ أنَّ إضافة أن هنا يقلب القضية ويختلف عن قوله: سمعت أبا بكرة، مباشرة بدون إضافة أبا بكرة قال. وهذا يحتاجُ إلى تتبُّعِ أساليب العرب وكلامهم. العرب قد تأتي بالجمع في مكان المفرد لا العكس، فلا يقال: سمعتُ القصة ويكون المراد أن البلد كلها سمعت، ولكن قد يقولون على سبيل التفخيم: سمعنا الأخبار ويكون السامع واحد لا أكثر

أمَّا الاحتجاجُ بما يُذكَر من شرط البخاريِّ في أسانيده ورجاله؛ فهذا أمرٌ قد وضعه الناسُ بعد باستقراء ما في الصحيح، ودراسة منهجه فيه، كلٌّ حسب اجتهاده؛ ليس قالبًا جامدًا صنعه البخاريُّ لا روح فيه ولا حياة، وليس من منهجه - ولا منهجِ أحدٍ من أهل العلم من الأسلاف - أنْ يحكمَ بحكمٍ واحدٍ مُطَّرد، لكنهم يكتفون بإثبات السماع مرة واحدة على الراجح في مذهب البخاري ومسلم والنقاد كما ذكره ابن رشيد السبتي في كتابه السنن الأبين وإنما يدور في ذلك مع القرائن، ومنهجه هذا لا يتأتى لكلِّ أحد، بل نتاج عمرٍ أفناه في طلب الحديث وحفظه وتصنيفه، وفحص الرواة والأخبار والتواريخ، وتتبُّع العلل والمخالفات والشذوذات؛ كي لا يُبقي في كتابه ثمرة فؤاده مطعنًا ومغمزًا لأحد، أو من أحد.

ومن طريقة البخاريِّ أنه يقف على الحديث: لا يرتضي إسنادَه تمامَ الرضا؛ لكنه يُثبت به ما عنده، وتطمئن نفسه إلى تصحيحه وإثباته. لكن في هذه الحالة يذكره في تراجم كتابه، أو يذكره مع الإشارة البديعة لهذا بطريقة أو بأخرى ولا يتركه هكذا خلوًا من الإشارة والقرينة.

وربما كان ما ورد من حديث جابر بن عبد الله من هذا الصنف؛ فإنه رواه يحيى بن معين في "فوائده" - كما في "الجامع الكبير" للسيوطي (1/ 279) - ومن طريقه الخطيب في "تاريخه" (8/ 548)، والبيهقي في "الدلائل" (6/ 443 - 444)، وابن عساكر في "تاريخه" (13/ 230 - 231)؛ من طريقِ يحيى بن سعيد الأمويِّ الكوفيّ، عن الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – بالحديث.

ويحيى بن سعيد: هو صاحبُ المغازي، وهو ثقةٌ لا بأسَ به، وإنْ كان يُغرِبُ في أشياء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015