وممن أثبت سماع الحسن من أبي بكرة: علي بن المديني؛ فيما نقله البخاريُّ عنه - وقد مرَّ ذكره – وفي كتاب "العلل" له، ص173، قال: "سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلامٌ يخطُب، ومِن عثمان بن أبي العاص، ومِن أبي بكرة". ومستنده في هذا حديث سفيان بن عيينة، فإنه قال: "إنما ثَبَتَ لنا سماعُ الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث"؛ يعني أنَّ هذا صحيحُ الإسناد، فلا بد من إثبات السماعِ تبعًا له، وإلا فقد ورد التصريح بالسماع في هذا الحديث وغيره من رواية المبارك بن فضالة، وزياد الأعلم؛ فكأنه لم يعتدَّ بما سوى حديث سفيان. بل يمكن أن يكون اعتدَّ بها لكن التعويل على الصحيح والأوثق دائمًا ويُقدَّم على من سواه ولذا قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/ 71): "نَعَم كلام ابن المديني يُشْعِرُ بأنهم كانوا يَحملونه [يعني حديث الحسن عن أبي بكرة] على الإرسالحتى وقعَ هذا التصريح". وهذا وجه جميل جدا للجمع بين الآراء؛ كانوا يعدونه مرسلا ثم حكموا بالسماع عندما علموا به وقال قبلها (13/ 71): "وإنما قال ابن المدينيُّ ذلك لأنَّ الحسنكان يُرسل كثيرًا عمَّن لم يَلْقَهم بصيغةِ عن؛ فخشي أنَّ روايته عن أبي بكرة مرسلة، فلماجاءت هذه الرواية مُصَرِّحةً بسماعه مِن أبي بكرة ثَبَتَ عنده أنه سمعه منه".

أما موافقة البخاريِّ إياه فهذا ليس بمُسَلَّم؛ بل مسلَّمٌ على ما مضى بيانه وفق إشارات البخاري البديعة فإنه إنما نقل عن ابن المديني في "الصحيح" و"التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" من دون أن يدلي بدلوه، أو يتكلمَ بلفظه. تسعة أعشار علم البخاري في إشاراته وعشر علمه أو أقل في تصريحاته فغاية الأمر هو يوافق ابن المديني في كون التصريح بالسماعِ لم يُنقَل مِنْ وجهٍ صحيحٍ إلا من حديث سفيان، لا أنه ثبت عنده مطلقًا. بل ثبت كما نص على ذلك بإشارة سبق الإشارة إليها أيضا!

فإنْ قيل: قد وقعت الموافقة بتصحيحه الحديث بتخريجه إياه في "الصحيح" في غير موضع، وغيره من أحاديث الحسن عن أبي بكرة؛ وأنَّ شرطه في كتابه ثبوت السماع لا الاكتفاء بالمعاصرة أو اللقاء؟ بل لإشارته لذلك وليس لمجرد إخراجه لأن الإخراج وحده قد يقصد منه شيئًا آخر بقرينة أو إشارة يشير بها على عادته

فهذا عمدة القوم، ولذا يقولون في غير حديث: صحيحٌ لإخراج البخاريِّ إياه، وكأنه ليس بصحيحٍ في نفسه، وإنما لهيبة الصحيح ومكانته، أو أن البخاريَّ وضع شرطًا فيما يُثبته في صحيحه ثم أخلَّ بهذا الشرط في مواضع. ولا يُشَكُّ في أنه اشترط في كتابه شرطًا عزيزًا: ألا يُخرج إلا الصحيح، وهو ما صحَّ عنده، مِنْ دون أن يُصَرِّحَ بكُنه طريقته في ذلك، محمود شاكر رحمه الله يرى أن المنهج يوضع بعد الكتاب لا قبله وقد ذكر ذلك في رسالة في الطريق إلى ثقافتنا والحقيقة البخاري مبدع جدا في كتابه هذا وهي طريقةٌ بلغت الغايةَ والنهايةَ في النقد والتحقيق، والبصر بطرق الحديث وعلله ورجاله. وحديث أبي بكرة صحيحٌ لا مراء في صحته؛ احتمال سماع الحسن له بواسطة عن أبي بكرة يعني عدم صحته خاصة مع عدم وجود الواسطة في الروايات، والتركيز على عدم السماع والرد على القائلين بالسماع يوحي بل يشعر بالتأكيد بتضعيف الحديث وهذا ما وقع في روعي لأول وهلة وسياق الكلام كله يسير إلى هذه النتيجة معاذ الله أن نجتريءَ على مقام الصحيح أو أن ننال من منْزلته، وغاية ما فيه أن يكون الحسن قد سمعه من الأحنف بن قيس، وأين الأحنف في الروايات؟ لا توجد رواية فيها الأحنف فيبقى الأمر على الاحتمال فيضعف الحديث إذن فكان ماذا؟ أو من أنس بن مالك، الحسن كان مع أنس عند أبي بكرة يعني يسهل له أن يذهب لأبي بكرة ويعرف بيته فما المانع أن يسمعه قبل ذهابه مع أنس؟ أو بعده؟ فكان ماذا؟ أو من غيرهما من الأكابر من أصحاب أبي بكرة، فكان ماذا؟ وليس بالغريب ولا بالمنكر؛ بل استفاضت روايته عن الحسن ثم تواترت، ورواه الناس ورووه طبقةً عن طبقة، ووجدوا له شاهدًا من حديث غيرِ أبي بكرة من الصحابة، فتلقَّته الأمة بالقبول؛ ما ضعَّفه أحدٌ سوى شرذمةٍ من أهل البدع؛ من الرافضة وأشباههم، والخوارج الإباضية ونحوهم، فكان ماذا؟ سلمنا هنا لكن ماذا عن النهي عن تولي المرأة؟ سيضعفون كل روايات الحسن عن أبي هريرة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015