فهذا خبرٌ صحيحُ الإسناد، وهو القَدْر الذي سمعه الحسن من أبي بكرة، ولمَّا لم يكن حديثًا مرفوعًا سمَّاه بهز: شيئًا. وهذا وصفٌ دقيقٌ منه رحمه الله، وهو عارفٌ بحديث أهل البصرة، خبيرٌ به. تأويل جميل لكن قد يستخدم كقرينة على السماع في الجملة مع القرائن السابقة وحقيقة هذا إلى تأييد السماع أكثر منه إلى نفي السماع، مع كونه ليس صريحًا بالدرجة الكافية، وتفسيره هنا قد يكون صحيحًا بالفعل بل وبديعًا أيضًا، لكن قد يقول المخالف: سمع هنا وثبت السماع هناك وحدَّث بهزٌ بما علم وحدَّث غيره بما علم، فتكون هذه قرائن أخرى على السماع لا النفي.

وهذا يكون كقول يحيى بن معين لمَّا قيل له – كما في "تاريخه" (4258): "الحسن رأى ابنَ عمر؟ قال: يُذكَر في بعض الحديث؛ قال: قال الحسن: دخلنا على ابن عمر"؛ يعني ما رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" - ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (14/ 255)، قال: "حدثنا إبراهيم بن عرعرة، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا ابن عون، عن الحسن، قال: دخلنا على ابن عمر وهو بالبطحاء، فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن، ثيابنا هذه قد خالَطَها الحريرُ وهو قليل، فقال: اتركوه، قليلَه وكثيرَه". وهذا سندٌ صحيح، وهو كلامٌ لابن عمر موقوفٌ عليه، لكنه كلامٌ متعلِّقٌ بالفقه، شبه الفتيا، وهو الذي عناه بَهزٌ في كلامه المتقدِّم، وسمَّاه: حديثًا، ولم يُسَمِّه: شيئًا؛ وهذا يُظهر وجاهةَ كلام بَهز، ويبين عن شدةِ فحصه.

ويبفى الكلامُ في انتفاء السماع مع ثبوت اللقيا في رواية هشام بن حسَّان؛ فإنَّ الراجح أنَّ هذا كان في مرض أبي بكرة الذي مات فيه، رضي الله عنه. وعبيد الله، وعبد الرحمن، ورواد: كلهم أولاده. وزياد المذكور: هو ابن أبيه، عامل معاوية على البصرة، وهو أخٌ لأبي بكرة من أمه. وقد كان بين ولايته وموت أبي بكرة خمس سنين أو أقل، ويبعد أن يكون هذا قد حصل إلا بعد سنين من ولاية زياد، وفي آخرِ عمرِ أبي بكرة؛ فإنه جرت بينهما وقائع سرد طرفًا منها ابن عساكر في ترجمة أبي بكرة من "تاريخ دمشق"، ونتج عنها اعتزال أبي بكرة وانزواؤه، رضي الله عنه.

ثم إن أنس بن مالك – رضي الله عنه - لم يكن ليصحب الحسن في مثل هذا الغرض إلا وقد اشتهر ذكره، وعلا كعبه في العلم، بل كان الحسن يطوف وهو صغير مثله مثل غيره في هذا الوقت وهو لم يذهب إلا لمهمة معينة لا تحتاج له أصلا وإنما اصطحبه معه أنس رضي الله عنه لغرض أو لآخر لا ليستعين به أو لعلم الحسن أو غير ذلك، وإنما اصطحب أنس رضي الله عنه الحسن كونه كان قريبا من بيت أنس رضي الله عنه فالحسن رضع من أم سلمة رضي الله عنها وقد أعتقت الربيع بنت النضر يسار أبا الحسن، وهي عمة أنس بن مالك، فلا غرابة في أن ينشأ الحسن في البيت أو يتردد عليه ويأخذه أنس معه في أي مكان يذهب إليه للصلة التي بينهما لا لعلم الحسن أو غيره وهو يومئذ – سنة إحدى وخمسين تقديرًا – ابن ثلاثين سنة، ويبعد أن يصلحَ يكون طرفًا في هذا قبل هذا السنّ، وأبو بكرة هو مَنْ هو في البصرة وقارًا وجلالة. ولم يكن الأمرُ – كما هو ظاهر - يتسع للتحديث، لا بالقليل ولا بالكثير.

وهذا حديثٌ ذو شأنٍ عظيم؛ فإنه متعلِّقٌ بالحكم والخلافة، والفتن التي وقعت في الأمة، وهو من دلائل النبوة؛ فإما أن يكون أبا بكرة قد حدَّثَ به الخاصَّ والعام، وهذا مُنتَفٍ؛ لأنَّا لا نجده عند غير الحسن من البصريين وغيرهم، وحدَّث عمر رضي الله عنه بحديث الأعمال بالنيات على المنبر ولم ينقله سوى واحد فقط، والتفرد في طبقة الحسن مقبولٌ بخلاف التفرد في طبقة البخاري وما دونها. ولم يكن الحسن من أصحابه قطعًا لكنه كان ثقة يقظا عالمًا بصيرًا قريبا من بيوت الصحابة رضي الله عنهم - أو أن يكون إنما حدَّثَ به خواصَّ أصحابه ممن يحتملون ذلك ويعرفونه من الصحابة؛ كأنس بن مالك، أو المعدودين في الصحابة؛ كالأحنف بن قيس، فإنه أسلمَ في حياة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويكون الحسن قد سمعه من أحدهما أو مِن كليهما، وهذا أشبَه، وأليَقُ في النظر. بل حدَّث الحسن مع غيره كما يدل عليه سياق الحديث والله أعلم، ولكن لم ينقله سوى الحسن كما سمع الناس الأعمال بالنيات فلم ينقله سوى أحدهم دون الآخرين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015