وممن أشار إلى انتفاء السماع من دونِ تصريح: الإمامان أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، فيما نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (3/ 41) قال: "حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: سمع الحسن مِن ابن عمر، وأنس بن مالك، وابن مُغَفَّل، وسمع من عمرو بن تَغْلِبأحاديث. قال أبو محمد: فذكرت قولَ أحمد لأبي – رحمه الله – فقال: قد سمع مِنْ هؤلاءالأربعة، ويَصِحُّ له السماعُ من أبي برزة، ومن أحمر صاحب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومِنْغيرهم. ولم يصحَّ له السماعُ مِنْ جندب، ولا من معقل بن يسار، ولا من عمران بن حصين، ولامن ابن عمر، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبيهريرة"اهـ. وقول أبي حاتم: "ومن غيرهم" يحتمل النفيَ والإثبات، لكنه لو أراد الإثبات لذكره، لأن روايته عن أبي بكرة مستفيضة، وهي أشهر من روايته عن بعض مَن ذكر من الصحابة. مستفيضة عندنا لا عندهم حيثُ كان الحديث ينتقل من مكان لآخر بشق الأنفس ورحلة راحل. فهذا نصٌّ لا دليل فيه فهو خارج النزاع
ولم يُشِر ابن أبي حاتم في "مراسيله" إلى إثبات السماع أو نفيه، على إيعابه وتفصيله في الكلام على مراسيل الحسن، ما ذكر سوى كلام بهز بن أسد الآتي؛ فكأنه توقَّفَ فيه. بل فعله يؤيد الإثبات إذا أردنا الاستدلال به لشهرة صحيح البخاري ورواياته ولكن الأولى تجاوز هذا النص لعدم الدلالة فيه على شيء ولم يشترط ابن أبي حاتم الاستيعاب حتى نلزمه بشيء.
وقد وقفتُ على بحثٍ كتبه المدعو حسن فرحان المالكيّ في تضعيف هذا الحديث، فوجدته في هذا الموضع زاد في نصِّ ابن أبي حاتم: "ولا من أبي ثعلبة الخشني، ولا من أبي بكرة .. ". وهذا كذبٌ صُراح، وفضيحةٌ لصاحبه. يريدون نفي السماع لتضعيف حديث النهي عن تولية المرأة، فلهم مأربٌ آخر
ومما يؤيد تصحيحَ نفيِ السماع عن الإمام أحمد: ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبليُّ في "شرح البخاري" (3/ 599) قال: "وحديث الحسن عن أبي بَكْرة في معنى المرسل؛ لأنَّ الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين". نقل ابن أبي حاتم عن أحمد ليس فيه أي تعرُّض لنفي السماع فلا دليل فيه، وأما كلام ابن رجب فيحتاج لنقلٍ من كتب أحمد يكون واضحًا لأن نصَّ ابن رجب معارضٌ برواية أحمد للحديث بذِكْر السماع فهذا مما يشكك في نقل ابن رجب حتى يظهر ما يؤكد هذا أو ينفي هذا عن أحمد ولا أعلم في هذا نصًّا عن أحمد الآن. ولعل مراجعة مسائل أبي داود أو صالح وغيرها من المسائل يكون مفيدًا وقد نجد فيه شيئًا ينفع هنا.
وقال جرير بن عبد الحميد – فيما رواه ابن أبي حاتم في "المراسيل" (152): "سألتُ بَهزًا – يعني ابن أسد العميّ = عن الحسن؛ مَنْ لقي مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمع من ابن عمرحديثًا، وسمع من عمران بن حصين شيئًا، وسمع من أبي بكرة شيئًا".
وفهم بعضُهم من كلام بهزٍ أنه ممن يثبت السماع، وجعلهم فريقين: ابن المديني والبخاري وبهز بن أسد العمي والبزار وغيرهم في جانب، ويحيى بن معين وأحمد والدارقطنيُّ وغيرهم في جانب، وهذا من لزوم ما لا يلزم.
أما كلام بهز بن أسد فيمكن توجيهه بما روى أحمد بن حنبل - كما في "المسائل" لابنه صالح (1107)، وابن أبي خيثمة في "تاريخه" - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (62/ 216) والمزيُّ في "تهذيب الكمال" (30/ 7) قالا: حدثنا هوذة بن خليفة، قال: حدثنا هشام بن حسَّان، عن الحسن، قال: "مَرَّ بي أنس بن مالك، وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يُعاتِبه, فانطلقتُ معه, فدخلنا على الشيخ وهو مريض، فأَبْلَغَه عنه، فقال: إنه يقول: ألم أستعملْ عُبيد الله على فارس؟ ألم أستعمل روادًا على دار الرزق؟ ألم أستعمل عبد الرحمن على الديوان وبيت المال؟ فقال أبو بكرة: فهل زاد على أنْ أَدْخَلَهم النار؟ فقال أنس: إني لا أعلمه إلا مجتهدًا. فقال الشيخ: أَقْعِدوني، إني لا أعلمه إلا مجتهدًا؟ وأهلُ حَروراء قد اجتهدوا؛ فأصابوا أم أخطأوا؟ قال الحسن: فرجعنا مخصومين".
¥