فهؤلاء الستة أوثقُ وأضبطُ وأحفظُ من جميع مَن رواه موصولاً. وجلُّهم مِن كبار أصحاب الحسن، بل لا يخلو حديثُ عامَّة مَنْ وصَلَه مِنْ ضعفٍ واضطراب، خلا أبي موسى، وقد اخْتُلِفَ عنه فيه كما مرَّ بيانُه. لا خلاف بين هؤلاء الستة وبين رواية أبي موسى إسرائيل، وإنما الخلاف بينهم جميعًا وبين رواية أشعث عن الحسن عن أنس، وسبق تضعيفها فخرجت عن الموضوع، بقي الخلاف الظاهري بين الحسن سمعت أبا بكرة، والحسن مرسلا دون ذِكْر أبي بكرة، والوصل هنا زيادة من ثقة لثقة الواصل وإمكان الجمع بينه وبين المرسل إذ الراوي خاصة الحسن البصري وأمثاله قد يذكرون الصحابي مرة ويتركون تسميته مرات ويكتفون بشهرة الحديث موصولا، فالحقيقة ليست هذه معارضة جوهرية في مثل حالة الحسن الذي اعتاد الإرسال، فالحمد لله أنه قد ذكر أبا بكرة هذه المرة
هذا وليس في شيءٍ من طرقه سوى طريق سفيان عن أبي موسى عن الحسن، وطريق المبارك بن فضالة عن الحسن – تصريحٌ بتحديث أبي بكرة الحسنَ بهذا الحديث.
ثم إنَّه لم يُذكَر عن سفيان سماعُ الحسن من أبي بكرة في جميع رواياته؛ فرواه أحمد بن حنبل – في إحدى الروايتين- وهذا مما يستدل به أهل العلم على صحة الوجهين؛ أعني رواية أحد الرواة للوجهين المختلف فيهم، وقد قعَّد ابنُ رجب قاعدة بهذا في آخر كتابه شرح علل الترمذي وعبد الله بن سعيد الأشج، وإبراهيم بن عبد الله الرماديّ، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وعلي بن حرب، وأحمد بن حرب، ويونس بن عبد الأعلى، والحسن بن الصباح، ونصر بن علي بن نصر، ومحمد بن زنجويه - عشرةٌ من الثقات الأثبات لكن ليس من الحفاظ وثمة فرق كلهم روى الحديثَ عن سفيان من دون ذكر التصريح بالسماع.
ورواه جماعةٌ من الثقات عن سفيان بإثبات السماع؛ وهم أحمد بن حنبل (في رواية)، وعبد الله بن محمد المسندي، والحميدي، وسعيد بن منصور، ومحمد بن عباد، ومحمد بن منصور، وصدقة بن الفضل. وأكثرهم حفاظ أصحاب كتب ابن حنبل والمسندي والحميدي وابن منصور، والواحد منهم بألف غيره. وإلى هذا يرمي البخاري الذي يعبث بالإشارات إبداعًا وتملُّكًا منه لناصية الإشارة والرمز فهو فارسها، فيبدأ الروايات التي أوردها برواية المسندي صاحب العناية بالمسندات لا المرسلات ولا المقاطيع، إشارة على إشارة وهكذا الحبيب البخاري طيب الله ثراه ما أبدعه وأجمله؟!
وهذا مما يدلُّ على أن سفيان كان يرويه على الوجهين؛ لا أنَّ الاختلافَ ممن دونه.
سفيان أوثق من أبي موسى فإلصاق مثل هذا بأبي موسى أولى من إلصاقه بسفيان، مع أن الظاهر أن الراوة كانوا يتخففون بالعنعنة مرة ويضبطون الرواية كما وردت فيذكرون التحديث أخرى، وهذا معروف مشهور.
وقد أنكرَ سماعَ الحسن من أبي بكرة مطلقًا طائفةٌ من الحفَّاظ؛ إما تصريحًا، وإما إشارةً وتلميحًا. نعم؛ ولكن المثبت مقدَّم على النافي لما معه من زيادة علمٍ، كيف إذا اقترن الإثبات بدليلٍ ظاهرٍ واضحٍ غير مدفوعٍ؟ فلم لا نجمع بين الرأيين بأن نقول لم يسمع منه سوى هذا الحديث؟ وهذا وجهٌ للجمع ويمكن استخراج وجوه أخرى والله أعلم.
فممن أنكره تصريحًا: يحيى بن معين، قال في "تاريخه" (4597/رواية عباس الدوريّ): "لم يسمع الحسنُ من أبي بكرة. قيلَ له: فإنَّ مبارك بن فضالة يقول: عن الحسن قال: حدثنا أبو بكرة. قال] يحيى [: ليس بشيء".
وعلَّلَ بعضُهم كلامَ ابن معين بكونه لم يطَّلع على حديث سفيان عن أبي موسى المتقدِّم، والذي ذُكر فيه التصريح بالسماع، وأنْ لو اطَّلعَ عليه لربما رجع عن قوله هذا. وهذا بعيدٌ جدًّا، بل هو خطأٌ بيِّن؛ فإنا نجده في "تاريخه" (2301/رواية الدوري) يقول: "أبو موسى، إسرائيل، الذي روى عنه ابن عيينة، هو كوفيٌّ نزلَ البصرة". فهو عارفٌ بالرجل معرفةً دقيقة، وبرواية سفيان عنه. وهل يُظَنُّ بيحيى غير هذا؟ وليس الحديثُ بالغريب ولا بالخفيّ، وقد رواه صاحبُه أحمد بن حنبل من طرقٍ عديدة، وطائفةٌ كثيرةٌ من مُحَدِّثي زمانه ممن هم دونه حفظًا واطلاعًا، فلا أراه يغيب عنه ذلك قطّ، بل ما أراه نفى السماعَ في تلك الرواية إلا إنكارًا وتضعيفًا لِما رواه سفيان، ولذا قال السائل: فإنَّ مبارك بن فضالة يقول: كذا؛ كأنه يقول: فإنه مُتابَع؟ لم يذكر سفيان في أثناء الكلام عن ابن فضالة، فالظاهر فعلا أن يحيى لم يكن مستحضرًا رواية ابن عيينة ساعتئذٍ.
¥