ولم يترجم ابن أبي حاتم لأبي سلمة، وإنما ترجم فقط لموسى الجهني، فقال في ((الجرح والتعديل)) (8/ 149): "موسى بن عبدالله الجهني، أبو عبدالله، كوفي، ويقال: موسى بن عبدالرحمن. روى عن زيد بن وهب ومجاهد وعبدالرحمن بن أبي ليلى ومصعب بن سعد والشعبي وفاطمة بنت علي. روى عنه الثوري وشعبة وحسن بن صالح ويحيى بن سعيد القطان ومروان بن معاوية وعيسى بن يونس وعبدالرحمن بن مغراء. سمعت أبي يقول ذلك".

قلت: فقد اتفق الأئمة على التفريق بينهما، واتفقوا أيضاً على أن كنية موسى هي ((أبو عبدالله)). قال الإمام مسلم في ((الكنى والأسماء)) (ص481): "أبو عبدالله موسى الجهني سمع مصعب بن سعد. روى عنه شعبة ويحيى بن القطان ويعلى".

وقال عبدالله بن أحمد في ((العلل ومعرفة الرجال)) (3/ 287): قال أبي: "أبو عبدالله مولى جهينة هو موسى الجهني".

وقال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (6/ 353): "موسى الجهني ويكنى أبا عبدالله، وكان ثقة قليل الحديث".

فأبو سلمة الجهني غير موسى الجهني الثقة. وقد وهم من جمع بينهما، فها هم أئمة النقد وحفاظ الكوفة لم يجمعوا بينهما، ولم يذكروا أن موسى له كنية أخرى وهي ((أبو سلمة))!

وأول من رأيته قال بذلك هو ابن منجوية في ((رجال مسلم)) (2/ 264) قال: "موسى الجهني هو ابن عبدالله، ويقال ابن عبدالرحمن الجهني الكوفي، يكنى أبا سلمة، ويقال أبو عبدالله".

وتبعه على ذلك المزي أو أن المزي اعتمد حديث خليفة بن خياط في الطعام، فقال في ((تهذيب الكمال)) (29/ 95): "موسى بن عبدالله، ويقال: ابن عبدالرحمن الجهني أبو سلمة، ويقال: أبو عبدالله الكوفي. روى عن زيد بن وهب الجهني ... والقاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود".

قلت: وعلى هذا اعتمد الشيخ أحمد شاكر وصوّبه الشيخ الألباني في أن أبا سلمة الجهني راوي حديث: ((اللهم إني عبدك ... )) هو موسى الجهني الثقة!!

وأما قول ابن معين في ((تاريخه)) (رواية الدوري) (3/ 442): "أبو سلمة الجهني: أراه موسى الجهني"، فهو ليس جزماً منه، وإنما هو ظن، ولهذا قال: "أراه"، وكان قال من قبل هذا (3/ 314): "موسى الجهني: موسى بن عبدالرحمن، وكنيته أبو عبدالله".

قلت: فلما لم يعرف أبا سلمة الجهني هذا ظنّه موسى الجهني وهو خطأ لا شك فيه. والصواب ما أجمع عليه أهل العلم أنه غيره.

قال الذهبي في ((المغني في الضعفاء)) (2/ 789): "أبو سلمة الجهني: شيخٌ لفضيل بن مرزوق، لا يُدرى من هو؟! ". وكذا قال في ((الميزان)).

وقال ابن حجر في ((لسان الميزان)) (7/ 56): "وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج حديثه في ((صحيحه))، وأحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه))، وتعقبه المؤلف بما ذكره هنا فقط. وقرأت بخط ابن عبدالهادي: يحتمل أن يكون هو خالد بن سلمة، وفيه نظر؛ لأن خالد بن سلمة مخزومي، وهذا جهني. والحق أنه مجهول الحال، وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات، ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر".

قلت: بل إن ابن حبان أخطأ أيضاً في تصحيحه لحديث الطعام، وهو عمدة الشيخ الألباني في تصحيح حديث الدعاء (السلسلة الصحيحة: رقم 198، 199) وأنهما واحد.

فالحديث رواه ابن حبان في ((الصحيح)) (12/ 12) عن أبي يعلى الموصلي قال: حدثنا خليفة بن خياط قال: حدثنا عمر بن علي المقدمي قال: سمعت موسى الجهني يقول: أخبرني القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نسي أن يذكر الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره؛ فإنه يستقبل طعامه جديداً، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه)).

ثُم قال ابن حبان: "ذكر الخبر المُدْحِض قول من زعم أن هذا الخبر تفرّد به موسى الجهني"، ثم ساق الحديث.

قلت: فابن حبان يرى صحة هذا الخبر عن موسى الجهني ودحض زعم من يقول إنه تفرد به! وهذا على منهجه –رحمه الله- في الافتراض، وإلا لو صحّ الإسناد إلى موسى وتفرد به فما أظن أن أحداً من الأئمة يردّه؛ لأن موسى من كبار الثقات، وتفرده ليس بمنكر.

وقد قال الهيثمي في ((المجمع)): "رجاله ثقات"، وقال الشيخ شعيب أثناء تحقيقه لصحيح ابن حبان: "إسناده صحيح".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015