وإن الناظر إلى جيل الصحابة، وكان عنده دراية بأحوالهم يعلم علماً ضرورياً أن هذا التفريق لم يكن عندهم البتة، ولعله لم يخطر ببال واحدٍ منهم، فإن هؤلاء الصحابة "كانوا يجزمون بما يُحدِّث به أحدهم عن رسول الله r ولم يقل أحدٌ منهم لمن حدثه: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر ... وكان حديث رسول الله r أجلَّ في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقولوا مثل ذلك. وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثاً عن رسول الله r في الصفات تلقاه بالقول، وأعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداء الرب يوم القيامة بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه وفرحه وإمساكه سماواته على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله r ، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يَرْتَبْ فيها، حتى إنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر، كما استظهر عُمر t برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى، وكما استظهر أبو بكر t برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدَّةِ، ولم يطلب أحدٌ منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله r ، ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مئة موضع .. فهذا الذي اعتمده نُفاة العلم عن أخبار رسول الله r خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلفٌ من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم"،

وانظر "مختصر الصواعق" (2/ 361 - 362) وما ذكرته كفايةٌ في الإجابة

عن الأمر الأول.

أما الوجه الثاني:

قوله: "إن خبر الواحد لا يفيد اليقين، بل الظن الراجح وهذا واضحٌ من قوله: "أما الزعم بأن خبر الواحد يفيد اليقين كالأخبار المتواترة، فهي مجازفة مرفوضة".

أقول: "قد نص كثير من أهل العلم على أن خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم والعمل معاً، أي: يفيد القطع "وممن نصَّ على ذلك: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن عليّ وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونص عليه الحسين بن عليّ الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي.

قال ابن خوايز منداد في كتابه "أصول الفقه" وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان: "ويقع بهذا الضرب أيضاً العلم الضروري، نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حقٌّ ونقطع على العلم بها، وكذلك روى المروزي، قال: قلت لأبي هبد الله: ههنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً! فعابه، وقال: لا أدري

ما هذا؟ ". وقال القاضي أبو يعلي: "وظاهرُ هذا أنه يسوي بين العلم والعمل ... ثم قال: "خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده، ولم تختلف الرواية فيه، وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول فيه،

وأنه يوجب العلم، وإن لم تتلقه الأمة بالقبول. قال: والمذهب على ما حكيت لا غير. فقد صرح بأن هذا هو المذهب، وقال ابن أبي يونس في أول "الإرشاد": وخبر الواحد يوجب العلم والعمل جميعاً.

وقال أبو إسحاق الشيرازي في كتبه في الأصول كـ "التبصرة" و "شرح اللمع" وغيرهما، وهذا لفظه في الشرح: "وخبرُ الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب العلم والعمل سواءٌ عمل به الكل أو البعض، ولم يُحكَ فيه نزاعاً بين أصحاب الشافعي، وحكى هذا القول القاضي عبد الوهاب من المالكية عن جماعة من الفقهاء، وصرحت الحنفية في كتبهم أن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه بقول النبي r : " لا وصية لوارث" قالوا: مع إنه إنما رُوي من طريق الآحاد. قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتابعين إذا اختلفا، أن القول قول البائع، ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس. وقد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن كان قد

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015