خالف فيها قومٌ فإنها عندنا شذوذٌ

ولا يُعتدُّ بهم في الإجماع، قال: وإنما قلنا ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنه يوجب العلم بصحة مخبره، من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول، أو بخبرٍ مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول، دلنا ذلك من أمورهم على أنهم لم يصيروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته فأوجب لنا العلم بصحته، وهذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه "أصول الفقه" ... ". أهـ

وممن نص على ذلك أيضاً: الحافظ ابن الصلاح رحمه الله في "مقدمته" وأن الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول تفيد العلم واليقين في كثير من الأحيان، واختاره الحافظ ابن كثير في "مختصره".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد r من الأولين والآخرين. أما السلفُ فلم يكن بينهم في ذلك نزاعٌ، وأما الخلفُ: فهذا مذهبُ الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة مثل السرخسي، وأبي بكرٍ الرازي من الحنفية، والشيخ أبي حامد،

وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خوايز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلي، وابن موسى، وأبي الخطاب وغيرهم من الحنابلة، ومثل أبي إسحاق الاسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظَّام من المتكلمين، وذكره ابن الصلاح واختاره وصححه، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجج الصحيحة، وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علمٌ ودينٌ، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله ابن الصلاح انفرد به عن الجمهور ...

قال ابن تيمية: "وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، والحجة على قول الجمهور أن تلقِّي الأمة للخبر تصديقاً وعملاً إجماعٌ منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة، كما لو اجتمعت على موجب عمومٍ أم مطلقٍ، أو اسم حقيقة، أو على موجب قياس، فإنها لا تجتمع على خطأ، وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمَن عليه الخطأ، فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحدٍ واحدٍ من المخبرين بمفرده، ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ... (ثم قال) والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها، فإذا قويت صارت علوماً، وإذا ضعفت صارت أوهاماً وخيالاتٍ فاسدة".

(قال): واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو، ومن قبله العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره، فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصلٌ للعلم، مفيدٌ لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على أمرٍ من الأمور الدينية بأهلِ العلم به دون المتكلمين والنحاة والأطباء، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء الحديث العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم r وضبطهم أقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علماً لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به البتة".

وقد احتج ابن حزم رحمه الله بحجج قوبة جداً على إثبات أن خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم القطعي، فراجع كتابه "الإحكام"

(1/ 119 - 131)، وكان من جملة ما قاله: "فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله r معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة، وعلى تكفير

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015