ـ[أم محمد الظن]ــــــــ[24 - Oct-2010, صباحاً 10:48]ـ
وقد قال ابن حزم في "الإحكام" (1/ 118): "وقد ثبت عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود رضي الله عنهم أجمعين وجوب القول بخبر الواحد ... ".
وقد ختم الشافعي رحمه الله بحثه النفيس في تثبيت خبر الواحد وأنه حُجَّةٌ بقوله في "الرسالة" (ص 453): "وفي تثبيت خبر الواحد أحاديثُ يكفي بعضُ هذا منها. ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل، وكذلك حُكي لنا عمن لنا عنه من أهل البلدان". أهـ وقال أيضاً (ص 357): "ولو جاز لأحد الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أحدٌ إلا وقد ثبَّته ـ جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفته من أن ذلك موجودٌ على كُلِّهم". أهـ
وخلاصة القول: أنه لا يُعلم أحدٌ يُقتدىَ به من السلف فرق هذا التفريق الباطل، بل كانوا يأخذون بخبر الواحد في المسائل العلمية والعملية، بغير تفريقٍ بينهما.
وقال ابن القيم رحمه الله في "مختصر الصواعق" (2/ 412): "وهذا التفريق باطلٌ بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات، كما تحتج به في الطلبيات العمليات، ولاسيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله تعالى بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه ديناً، فشرعُهُ ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم يزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحدٍ منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله تعالى وأسمائه وصفاته فأين سلف المفرقين بين البابين؟!
نعم، سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ويُحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين، فهُمُ الذين يُعرف عنهم التفريق بين الأمرين فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها: أصولاً وفروعاً وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحدٌ ومن خالفه فهو كافرٌ أو فاسقٌ وأما مسائل الفروع فليس لله تعالى فيها حكمٌ معينٌ، ولا يُتصور فيها الخطأ، وكل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى الذي هو حكمه، وهذا التقسيم لو رجه إلى مجرد الاصطلاح لم يتميز ... قال: وادعوا الإجماع على هذا التفريق، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعاً عن إمام من أئمة المسلمين، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين. وهذا عادةُ أهل الكلام، يحكون الإجماع على ما لم يقله أحدٌ من أئمة المسلمين، بل أئمة المسلمين على خلافه ... ثم قال: فنطالبهم بفرقٍ صحيحٍ بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الذين وما لا يجوز، ولا يجدون إلى الفرق سبيلاً إلا بدعاوٍ باطلة ... ثم قال: (ص 420): فقال بعضهم: الأصوليات هي المسائل العلميات، والفروعيات هي المسائل العملية، والمطلوب منها أمران: العلم والعمل، والمطلوب من العلميات العلم والعمل أيضاً، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبعضه للباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصلٌ لعمل الجوارح، وعمل الجوارح تبعٌ. فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب، وتصديقه وحبه، ذلك عمل، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثيرٌ من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيراً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي r غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق ـ وهو عمل القلب ـ من حب ما جاء به، والرضا وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تمهل هذا الموضع فإنه مهمٌ جداً، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتفِ من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل". أهـ
* قُلتُ: وهذا كلامٌ يوزنُ مثله بالذهب، فكيف به! وهو شجىً في حلوق المخالفين، والحمد لله ربٌ على حسن توفيقه.
¥