17 - ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث مالك قال: أتينا النبي r ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده نحواً من عشرين ليلة، وكان رسول الله r رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا ـ أو قد اشتقنا ـ سألنا عمن تركنا بعدنا؟ فأخبرناه. قال: "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي".

ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي r أمرهم أن يعلموا أهلهم ما قد علموه منه عليه الصلاة والسلام، فلو لم يكن خبرهم مما يقوم به الحجة، لم يكن لهذا الأمر معنى.

18 - قوله تعالى:} ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بهٍ علمٌ {أي لا تتبعه ولا تعمل به، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها، ويثبتون لله تعالى الصفات، فلو كانت لا تفيد علماً لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم، وهل يقول هذا إلا مجنون؟!

19 - أن خبر الواحد لو لم يفد علماً لم يُثبِت به الصحابة التحليل والتحريم والإباحة والفروض، ويُجعل ذلك دِيناً يُدان به في الأرض إلى آخر الدهر، فهذا الصديق t زاد في الفروض التي في القرآن فرضَ الجَدَّةِ، وجعله شريعة مستقرة إلى يوم القيامة يخبر به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات فرض الأم، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته

بخبر الواحد.

وأثبت عمر بن الخطاب بخبر ابن مالك دية الجنين وجعلها فرضاً لازماً للأمة، وأثبت ميراث المرأة من زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده، وصار ذلك سرعاً عاماً مستمراً إلى يوم القيامة، وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفي عنها زوجها بخبر فُريعة بنت مالك وحدها، وهذا أكثر من أن يُذكَر، بل هو إجماعٌ معلومٌ منهم، ولا يقال على هذا، إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات، ونحن لا ننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا على قبوله والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون كذباً أو غلطاً في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به، وهذا قدحٌ في الدين والأمة.

20 - أخرج الشيخان وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس

إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل. فقال ابن عباس: كذب عدو الله! أخبرني أُبيُّ بن كعب قال: خطبنا رسول الله r ... الحديث بتمامه. قال الشافعي في "الرسالة" (ص 442 - 443) معلقاً: "فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أُبي بن كعب عن رسول الله r حتى يُكذِّب امرأً من المسلمين، إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله r بما فيه دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحبُ الخضر". أهـ

فهذه عشرون دليلاً ذكرها ابن القيم وغيره على أن خبر الواحد يفيد العلم، والمقام يحتمل البسط، وفيما ذكرته كفاية لمن أراد الحق، وقد يقول الأستاذ الكاتب: أنت تُلزمني بما لا يلزم، فأنا أقول بأن خبر الواحد يُعمل به في الأحكام الشرعية، ولكن دعواي أنه لا يؤخذ به في العقيدة وليس فيما ذكرته ما يلزمني.

فأقول: بل فيه ما يلزمك، فانظر مثلاً في الدليل التاسع، وهو ذهاب معاذ بن جبل t إلى اليمن، فإنه ذهب يُعلِّمُ الناس العقيدة، وهذا واضح من قوله r : " فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"، فلو أعرض عنه رجلٌ من أهل الكتاب وأبى أن ينصاع له ومات، فإنه كافرٌ لا خلاف في ذلك لوصول البلاغ إليه، فإن المسلمين لا يختلفون في أن مسلماً ثقةً عالماً لو دخل أرض الكفر فدعا قوماً إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازماً لهم قبوله، ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة، وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولاً إلى ملك من ملوك الكفر، أو إلى أمة من أمم الكفر يدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين

ولا فرق، وما قال مسلمٌ قطٌ إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه عليه الصلاة والسلام إلى كل ناحية معلماً ومفتياً ومقرئاً: نعم أنت رسول الله r ، وعقدُ الإيمان عندنا حقٌ، ولكن ما أفتيتنا به وعلمتناه من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي r ، وما أقرأتنا من القرآن عنه عليه الصلاة والسلام فلا نقبله منك، ولا نأخذه عنك؛ لأن الكذب جائزٌ عليك، ومتَوَهَمٌ منك حتى يأتينا لكل ذلك كوافٌّ وتواتر. بل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين، كما قال ابن حزم في "الإحكام" (1/ 112).

ثم إن الشافعي رحمه الله ـ كما في الدليل العشرين ـ احتج بخبر الواحد في مسألة علمية غيبية، وليست حكماً شرعياً.

واعلم أنه لا يُعلمُ في السلف قطٌ أحدٌ قال: إن خبر الواحد لا يُحتجُ به العقيدة، إنما قال ذلك بعض المتأخرين من أصحاب الكلام الذين لا عناية لهم بالسنة النبوية، وتبعهم في ذلك بعض الأصوليين. ونحن نطالب الأستاذ أن يأتي بنقلٍ صحيحٍ عن أحد الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو أحد الأئمة المتبوعين فرَّقَ هذا التفريق، ولن يجد إليه سبيلاً.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015