وقد تأول بعض العلماء حديث ابن عباس بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وحملوا حديث جابر في قصة أبي قحافة على من صار شيبه مستبشعًا كشيب أبي قحافة ([130]).
والصحيح أن التأويل فرع التصحيح، والحديثان كلاهما غير صحيح؛ أما حديث ابن عباس فمنكر أصلاً، وأما حديث جابر فصحيح دون هذه الزيادة، ولا تكاد هذه الزيادة تثبت من وجه صحيح تقوم به الحجة.
نعم، جاء عن أبي هريرة موقوفًا عليه - وقد سئل عن الخضاب بالوسمة - "لا يجد المختضب بها ريح الجنة" ([131]). إلا أن إسناده ضعيف؛ إذ هو من رواية موسى بن نجدة، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب ([132]).
كما كره بعض التابعين الخضاب بالسواد، وهو ثابت عن عطاء بن أبي رباح، فقد سئل عن الخضاب بالوسمة. فقال: (هو مما أحدث الناس، قد رأيت نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أحدًا منهم يختضب بالسواد) ([133]). إلا أن من علم حجة على من لم يعلم، فقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يخضبون بالسواد ([134]). وترك بعض الصحابة الخضاب بالسواد لا يصلح دليلاً على حرمته أو كراهته، بخلاف اختضاب من اختضب بالسواد منهم، فإنه دليل ظاهر على جوازه عندهم، إن لم يكن مستحبًا؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب»، و «اصبغوا»، كما كره الخضاب بالسواد من التابعين: مجاهد ([135]). إلا أنه علل كراهيته له بما يدل على أنه ليس عنده فيه شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «أول من خضب به فرعون»، وهذا يشبه أن يكون مأخوذًا من جهة أهل الكتاب. وجاء عن مكحول أنه كره الخضاب بالوسمة، وقال: (خضب أبو بكر بالحناء والكتم) ([136]). فلو كان عنده حديث مرفوع لما عدل عنه واحتج بفعل أبي بكر، وأنه كان يخضب بالحناء لا بالوسمة.
وقد سئل فرقد السبخي عن الصباغ بالسواد، فقال: (بلغنا أنه يشتعل في رأسه ولحيته نار، يعني يوم القيامة) ([137]).
وفرقد قال عنه الحافظ: (صدوق ليّن الحديث كثير الخطأ) ([138])، ولم يرفع الحديث، وقد أرسله بلاغًا.
فثبت بذلك:
1 - أن الأحاديث المرفوعة التي فيها الأمر بتغيير الشيب بالصبغ مطلقًا دون استثناء شيء من الأصباغ - أصح بلا خلاف؛ إذ بعضها في الصحيحين كحديث أبي هريرة المحفوظ عنه والمتفق على صحته، بخلاف أحاديث الاستثناء إذ هي بين منكر أو معلول.
2 - أن الآثار الموقوفة على الصحابة التي تدل على جواز الصبغ بالسواد، قد جاءت عن ستة من الصحابة، وأسانيدها بين صحيح وحسن لذاته أو لغيره. بينما لم يرو عن أحد منهم النهي عن ذلك إلا عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف.
3 - أن الآثار المقطوعة عن التابعين - مع عدم حجيتها - أكثرها على جواز الصبغ بالسواد، وعليه كبار علماء المدينة وحفاظ السنة كأبي سلمة بن عبدالرحمن، والزهري، ونافع بن جبير، وموسى بن طلحة ([139])، وعروة بن الزبير ([140])، وعمر بن أبي سلمة قاضي المدينة ([141])، حتى قال مالك - إمام دار الهجرة -: (لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا). وكان أبو قلابة يخضب بالوسمة، وكذلك قال إمام التابعين في البصرة محمد بن سيرين: (لا أعلم به بأسًا). وكان الحسن البصري لا يرى بالخضاب بالسواد بأسًا. وهو مذهب إمام التابعين في الكوفة إبراهيم النخعي، فقد قال: (لا بأس بالوسمة) ([142]). وإنما كرهه من التابعين مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومكحول.
وقد نقل ابن جرير الطبري إجماع السلف على أن تغيير الشيب ليس واجبًا بل هو مستحب عند من قال به، كما أن صبغ الشعر والشيب - بما في ذلك الصبغ بالسواد - ليس محرمًا عند من كرهه: (لإجماع سلف الأمة وخلفها على أن النهي عن ذلك لو كان على وجه التحريم، أو لو كان الأمر - فيما أمر به من ذلك - على وجه الإيجاب، لكان تاركو التغيير قد أنكروا على المغيِّرين، أو كان المغيِّرون قد أنكروا على تاركي التغيير، ولكن الأمر كان في ذلك كالذي وصفت، فلذلك ترك بعضهم النكير على بعض) ([143]). وكذلك قال ابن الجوزي، فقد قال: (اعلم أنه خضب جماعة من الصحابة بالسواد، وخلق كثير من التابعين، وإنما كرهه قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى التحريم - إذ لم يدلس - فيجب فيه هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد) ([144]).
¥