واختاره ابن القيم حيث قال: (الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس؛ كخضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والشيخ يغر المرأة بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما - أنهما كانا يخضبان بالسواد. ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب (تهذيب الآثار)، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبدالله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبدالله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم: عمرو بن عثمان، وعلي بن عبدالله بن عباس، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيلبن معد كرب. . .) ([145]).يوب
· وكل ما سبق ذكره من الأحاديث والآثار إنما هي في الرجال، ولم يأت شيء منها في شأن النساء، إلا ما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سُئلت عن تسويد المرأة شعرها، فقالت: (وددت أن عندي شيئًا أسوِّد به شعري) ([146]).
وكذا جاء عن قتادة قال: (رُخِّص في صباغ الشعر بالسواد للنساء) ([147]).
وهذا الأثر الصحيح، وإن كان مقطوعًا موقوفًا على قتادة من قوله لم يرفعه، إلا أنه يحتمل أن يكون له حكم الرفع، فإن لفظ (رُخِّص) مبني للمجهول، وفعل لما لم يسم فاعله، فيحتمل أنَّ من رخص بذلك هم الصحابة، أو النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجح الثاني كون الرخصة حكمًا شرعيًا، وهذا مثل قول: (أُمر بكذا)، و (نُهي عن كذا)، إذا صدر عن التابعي، فقد قيل: هو مرسل مرفوع.
وقيل: بل موقوف على الصحابة ([148]).
وعلى كلٍّ، فأثر عائشة، وهذا الأثر عن قتادة، كافيان في إثبات جواز الصبغ بالسواد للنساء، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم - أصلاً - ولا أصحابه ما يخالف ما جاء عن عائشة وقتادة في شأن النساء. وإذا ثبت عدم صحة أحاديث النهي عن السواد في حق الرجال، ورجحان أحاديث إباحة الصبغ مطلقًا عليها، فالنساء من باب أولى؛ إذ دخولهن في الحكم - عند من يقول بكراهة الصبغ بالسواد للرجال والنساء على حد سواء - إنما هو بالتبع لا أصالة، إذ المخاطب في الأحاديث هم الرجال. ولهذا فرق بعض من قالوا بالكراهة بين الرجال والنساء، فأجازوا لهن الصبغ بالسواد دون الرجال ([149]). والله أعلم.
* * *
المصادر والمراجع
· الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ابن بلبان، تحقيق الأرنؤوط ط1 سنة1408هـ، الرسالة - بيروت.
· الإصابة، ابن حجر، ط1، سنة 1328 هـ، السعادة - مصر.
· تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، تصوير دار الكتب العلمية - بيروت.
· تعريف أهل التقديس، ابن حجر، تحقيق أحمد علي، ط1، سنة 1413هـ، الرياض.
· التقريب، ابن حجر، تحقيق محمد عوامة، ط3، سنة 1411 هـ، الرشيد - سوريا.
· التمهيد، ابن عبدالبر، تحقيق جماعة، ط2، سنة 1402 هـ، الأوقاف المغربية.
· تهذيب التهذيب، ابن حجر، ط1 سنة 1321 هـ، دائرة المعارف العثمانية - الهند.
· تهذيب السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق جماعة، ط2، سنة 1375 هـ، البابي - مصر.
· الجامع، الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، دار الكتب العلمية - بيروت.
· الجامع، معمر بن راشد، في آخر مصنف عبدالرزاق.
· جامع التحصيل، العلائي، تحقيق حمدي عبدالمجيد، ط2، سنة 1407 هـ، عالم الكتب - بيروت.
· الجامع الصحيح، البخاري، مع فتح الباري.
· الرفع والتكميل، للكنوي، تحقيق أبو غدة، ط3، سنة 1407هـ، البشائر، بيروت.
·
· روايات المدلسين، عواد الخلف، ط1، سنة 1421 هـ، البشائر - بيروت.
· سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، ط4، سنة 1398 هـ، المكتب الإسلامي - بيروت.
· شرح العلل، ابن رجب، تحقيق همام عبدالرحيم، ط1، سنة 1407 هـ، المنار - الأردن.
· صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، بعناية فؤاد عبدالباقي، ط1، المكتبة الإسلامية - إستنبول.
· الطبقات، ابن سعد، تحقيق محمد عبدالقادر، ط1 سنة 1410 هـ، دار الكتب العلمية - بيروت.
· العلل، ابن أبي حاتم، ط سنة 1405 هـ، تصوير دار المعرفة - بيروت.
· علوم الحديث، ابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، ط1، 1406 هـ - دار الفكر - دمشق.
· الكامل في الضعفاء، ابن عدي، تحقيق سهيل زكار، ط3، سنة 1409 هـ، دار الفكر - بيروت.
· المجروحين، ابن حبان، تحقيق محمود زايد، ط2، سنة 1402 هـ - الوعي - حلب.
¥