ولهذا قال مالك عن صبغ الشعر بالسواد: "لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إليَّ، وترك الصبغ كله واسع إن شاءالله، ليس على الناس فيه ضيق" ([111]). وهذا القول هو أعدل الأقوال وأرجحها.
وأصح الأحاديث في هذا الباب هو حديث الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» ([112]). ورواه عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أيضًا:
1 - ابنه عمر بن أبي سلمة: عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» ([113]).
2 - محمد بن عمرو بن علقمة: عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود والنصارى» ([114]).
كما تابع أبا سلمة بن عبدالرحمن على روايته عن أبي هريرة: سليمان بن يسار؛ رواه عنه الزهري ([115]).
فهذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة، وله شواهد في تغيير الشيب مطلقًا بلا استثناء؛ كحديث عائشة مرفوعًا: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» ([116]). وكان أبو سلمة بن عبدالرحمن - راوي الحديث عن أبي هريرة - يصبغ بالسواد. وكذا الزهري وهو راويه عن أبي سلمة، وكذا نافع بن جبير المدني ([117]). وهؤلاء هم علماء المدينة، فلو كان الاستثناء ثابتًا عندهم عن أبي هريرة أو جابر أو أسماء - وكلهم من أهل المدينة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما فاتهم، ولما خالفوه. وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (تمسك به [أي حديث الأمر بتغيير الشيب مطلقًا] من أجاز الخضاب بالسواد، وقد تقدمت مسألة استثناء الخضاب بالسواد لحديثي جابر وابن عباس) ([118]). وقد ثبت عدم صحة حديث ابن عباس وأنه حديث منكر، كما ثبت عدم صحة الزيادة الواردة في حديث جابر في صحيح مسلم، وأن الصحيح عنه بدونها، فلم يبق ما يمكن الاحتجاج به، اللهم إلا بعض الأحاديث المرسلة والمعضلة كحديث:
1 - عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص حدّث؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن خضاب السواد» ([119]).
وإسناده ضعيف، فإنه من رواية المثنى بن الصبَّاح، وهو ضعيف اختلط بأخرة، كما قال عنه الحافظ ابن حجر ([120]).
كما أنه منقطع بل معضل؛ إذ عمرو بن شعيب لم يسمع من جد جده عمروبن العاص، وإنما يروي عن أبيه عن جده عن عبدالله بن عمرو بن العاص. وقد قال أبو زرعة الرازي: (عامة المناكير التي تروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصبَّاح، وابن لَهِيعة، والضعفاء. . .) ([121]).
فهذا الحديث من مناكير ابن الصبَّاح عنه، فلا يفرح به.
2 - المحاربي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عامر الشعبي مرفوعًا: «إن الله لا ينظر إلى من يخضب بالسواد» ([122]). وعبدالرحمن المحاربي، قال عنه الحافظ: (لا بأس به وكان يدلس) ([123]). وقد رواه بالعنعنة. وليث اختلط جدًا فترك حديثه ([124]). فاجتمع في هذا الحديث عنعنة المحاربي وهو مدلس، وإرسال الشعبي، وضعف شديد في ليث.
3 - موسى بن دينار عن مجاهد قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أسود الشعر قد رآه بالأمس أبيض الشعر، قال: من أنت؟ قال: أنا فلان. قال: بل أنت شيطان) ([125]). وموسى بن دينار متهم بالكذب ([126]). فالحديث متروك.
4 - وروى العَرْزَمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «من غيَّر البياض سوادًا، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». والعَرْزَمي قال عنه الحافظ: (متروك) ([127]).
فهذا كل ما ورد في هذا الباب من أحاديث النهي عن السواد، كلها بين منكر أو متروك، وأحسنها حالاً حديث أبي قحافة مع ضعفه.
وقد قال الشيخ الألباني: (الحديث [حديث أبي قحافة] حجة على الزهري وغيره. . لا سيما وهناك حديثان آخران هما أدل على العموم من هذا؛ الأول: عن ابن عباس .. والثاني: عن أبي الدرداء مرفوعًا: «من خضب السواد سود الله وجهه يوم القيامة» ([128]). وقد ذكر أن حديث أبي الدرداء ضعيف، بل قال أبو حاتم كما في "العلل": (حديث موضوع) ([129]). فلم يبق إلا حديث ابن عباس، وقد ثبت أنه حديث منكر، فلا يمكن الاحتجاج به، ولا يقوى على تخصيص عموم الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها الأمر بالتغيير والصبغ مطلقًا.
¥