وقد رواه عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن إسحاق، به. وزاد في روايته: «وجنبوه السواد» وتفرد بهذه الزيادة، وليست هي عند ابن هشام في "مختصر السيرة"، ولا عند ثقات أصحاب محمد بن إسحاق. والمحاربي قال عنه الحافظ في التقريب: "لا بأس به وكان يدلس" ([90])، وقد رواه معنعنًا، فهي زيادة منكرة.

4 - الشاهد الرابع: حديث عباد بن عباد عن معمر عن الزهري، رفعه:

أنا أبا بكر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه يوم الفتح وهو أبيض الرأس واللحية، كأن رأسه ولحيته ثغامة بيضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا تركت الشيخ حتى أكون أنا آتيه»، ثم قال: «اخضبوه، وجنبوه السواد» ([91]).

وهذا حديث مرسل، وفيه علة أيضًا، فقد رواه عبدالرزاق في الجامع ([92]) عن الزهري مرسلاً مطولاً، وفيه: "وأمر بأن يغيروا شعره"، وليس فيه زيادة «اخضبوه وجنبوه السواد»؟!

فثبت أن هذه الزيادة ليست في جامع معمر - رواية عبدالرزاق - وأنها من أوهام عباد بن عباد الراوي عن معمر، فإنه وإن كان ثقة إلا أنه يهم أحيانًا، حتى قال فيه أبو حاتم: (لا بأس به، قيل له: يُحتج بحديثه؟ قال: لا) ([93]). ولهذا اعتذر ابن حجر عن تخريج البخاري له بقوله: "ليس له في البخاري سوى حديثين أحدهما في الصلاة بمتابعة شعبة وغيره، والثاني في الاعتصام بمتابعة إسماعيل بن زكريا) ([94]).

كما لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة شيئًا عن معمر بن راشد ([95]).

ومما يؤكد عدم صحة هذه الزيادة عن معمر عن الزهري: ما ثبت عن الزهري نفسه أنه كان يصبغ بالسواد ولا يرى به بأسًا كما رواه معمر عنه ([96]).

بل إن هذا اللفظ الذي رواه عباد بن عباد عن معمر عن الزهري مرسلاً، مطابق للفظ حديث معمر عن ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر، قال: (أتي بأبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح كأن رأسه ثغامة بيضاء. . .) ([97]). فالظاهر أنه خلط بين حديث معمر عن ليث الذي فيه هذا اللفظ، وحديث معمر عن الزهري مرسلاً الذي ليس فيه سوى قوله (وأمر بأن يغيروا شعره). فثبت بذلك أنه من أوهامه، وأنه لا أصل له عن الزهري بهذه الزيادة، ولم يتابع عليها من حديث الزهري، ولهذا عزاها في كنز العمال إلى الحارث وحده ([98]). ويحتمل أن الوهم من معمر نفسه، فقد ضعف الأئمة رواية أهل البصرة عنه - وعباد بصري - لكونه كان يحدث من حفظه فيخلط، بخلاف روايته في اليمن حيث كان يراجع كتبه ([99]).

· وعليه فزيادة لفظ: «واجتنبوا السواد» لا تثبت: لا من حديث جابر بن عبدالله؛ إذ نفاها أبو الزبير نفسه، ولا من حديث أبي هريرة؛ وقد أوردها ابن عدي في مناكير ابن أبي رواد، ولا من حديث أنس، ولا من حديث أسماء، وأن الصحيح المحفوظ من حديث أبي هريرة وجابر وأسماء الأمر بتغيير الشيب وصبغه مطلقًا، دون استثناء السواد.

· وقد روى نافع بن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً: «غيروا، ولا تشبهوا باليهود» ([100])، وكان نافع يصبغ بالسواد ([101]). فحمل الحديث على عمومه.

· كما روى ابن جريج عن الزهري مرسلاً، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «غيروا بالأصباغ»، قال ابن شهاب: «وأحبها إليَّ أحلكها» ([102]).

ورواه معمر عن الزهري قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأصباغ». فأحلكها أحب إلينا، يعني أسودها ([103]). والزهري هو راوي حديث أبي هريرة: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ([104]). وكان الزهري يصبغ بالسواد ([105]).

فقد حمل الزهري الأمر بالصبغ على عمومه، ولم يستثن السواد من الأصباغ، بل كان يستحبه ويقدمه عليها، وهذا يرجح عدم صحة الاستثناء الوارد في حديث أبي هريرة - كما في رواية ابن أبي رواد المنكرة - وكذا عدم ثبوت هذا الاستثناء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر الزهري، وإلا لما خالفه.

ـ[عبدالرحمن بن شيخنا]ــــــــ[02 - Oct-2010, مساء 07:44]ـ

وقد أخذ بهذا العموم جماعة من الصحابة، منهم:

سعد بن أبي وقاص ([106])، وعقبة بن عامر ([107])، وجرير بن عبدالله ([108])، وعمرو بن العاص ([109])، والحسين بن علي، والحسن بن علي ([110]).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015